hd    

رحل الطبيب والباحث والعالم والمؤرخ والعلامة أ. د محمود الجليلي رحمه الله - د. عمر الكبيسي

   

 

 

الكاتب : العراق للجميع - 23:00:36 2011-11-17

.Description: http://iraq4allnews.dk/showimg.php?fg=17112011040036.jpg

د. عمر الكبيسي

 

 

رحل أ.د محمود الجليلي وفارق الحياة أمس الاربعاء 16 تشرين الثاني 2011 كما تواتر وثبت نشره من اخبار مدينة الموصل التي ولد فيها عام 1921 ولاذ اليها منذ تقاعده عن الوظيفة ولم يغادرها بشكل قاطع بعد الاحتلال المقيت وتوقف نشاطه كعضو في المجلس العلمي العراقي في بغداد لعقدين من الزمن قضاها فيه يواكب نشاطاته واجتماعاته بعلمية وبحث دون ان يمنعه التقاعد والعزوف عن الممارسة الطبية المهنية منذ ثلاثة عقود ظل فيها الفقيد يتابع احوال وشؤون ما ورثه من عائلته الجليلية مهتما بالزراعة وادامة ورثته وعائلة اخوه ودور العائلة الجليلية التي ينتمي اليها الاستاذ الدكتور الجليلي في حكم وادارة الموصل معروف تاريخيا و وطنيا .
لقد سبق وان اشيع ونشر خبر وفاة الجليلي بالمواقع في منتصف كانون الاول عام2010 وكتبت هذا النعي على إثر ذلك الخبر الذي لم تثبت صحته ليمده الله بعام اخر حتي يبلغ التسعين وكان قد قرأ النعي بنفسه رحمه الله في حينها،
واليوم إذ نودع روح فقيد العلم والمعرفة والطب الاستاذ محمود الجليلي ادخله الله تعالى فسيح جناته والهم ذويه وعائلته ومحبيه وزملاءه وطلابه الصبر والسلوان وجدت من المناسب ان يعاد ذكر سيرته وخصاله من خلال نشرهذا النعي وما سبق ان اشير لهذه السيرة من خواطر وردود في حينها .


يعد الجليلي واحد من ألمع وابرز أطباء الجيل الثاني من أطباء العراق الاكاديمين في اربعينيات القرن المنصرم الذين تركوا بصماتهم وابداعاتهم في مسيرة الطب العراقية المعاصرة بشكل متميز وبارز .


أنا واحد من أخر الطلبة الدارسين عمليا ونظريا حتى عام 1966 على يد هذا النطاسي البارع في كلية طب بغداد ومن الذين امتحنهم للتخرج عام 1969 حينها كان الاستاذ قد ترك الكلية عام 1967 الى رئاسة جامعة الموصل حيث وضع لبنات بناء وتطوير الكلية الطبية في الموصل التي كثيرا ما يفخر باعتزاز بانجازاته فيها .
في مسيرة تحصيله العلمي والطبي بعد انتهاء تدريبه في القاهرة وقصر العيني قصد انكلترا في اول باخرة بحرية من مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وكان من زملائه هناك للحصول على شهادة عضوية كلية الأطباء الملكية الدكتور ابراهيم الحيالي رحمه الله وكانا من اوائل العائدين بهذا الاختصاص الى العراق بعد تحصيلها.  لكن سفره العلمي استمر بعدها باحثا ومعلما ومحاضرا ومتابعا بعد عودته من هارفرد عام 1954 برحلات علمية وبحثية مستمرة شملت معظم معاهد وكليات الطب والمعرفة في العالم .وكان اول من نشر بحثا عن وقوعات الذبحة الصدرية في العراق عام 1955.


يمتاز الجليلي باسلوب تدريسي منفرد فذ , ينم عن رصانة والمام متكامل في الموضوع الذي يحاضر فيه ولا تكاد ان تخلو محاضرة من محاضرته عن سفر في اعماق المعرفة العلمية في البحث او التاريخ اوعلوم اللغة او السلوك الطبي وتنعكس معرفته الطبية على شخصيته التعليمية وجديته فتجده شديد الضبط والانضباط في قاعة المحاضرات او ردهات المرضى, صارم في ايصال المعرفة وجدي في المتابعة وإداري في فرض تعليماته والتزاماته.


كان يدَّرس امراض القلب نظريا, لكنه كان ملم بعمق في كل فروع الطب السريرية والبحثية وسريع التشخيص وقوي الملاحظة لا ينسى طلابه ومقيميه وهو السريع في الخطى حاملا حقيبته بيده يجول ويصول لا يتسامح بتأخر محاضر او تدريسي من زملائه ناهيك عن تأخر حضور الطلبة في قاعة التدريس او في الردهات.


كان الانطباع السائد عنه في الكلية الطبية , الصرامة والالتزام ورفض التوسطات والتدخلات والحدة في توجيه السؤال وكثيرا ما كانت اسئلته دقيقة وصعبة معرفياً كما يوحي بالخشونة في التعامل بلغته المصلاوية وتعليقاته القوية وهي طريقة ذات تأتير كبير في التحصيل ولهذا تجد للجليلي في ذاكرة من درسهم الكثير الكثير من القصص الطبي الممتع والمعرفة القيقة التي لا تنسى .


الذين يعرفون الجليلي في لجان الامتحانات وتقييم الممتحنين يجدونه منصفاً ورحيما اما في امسياته ودعواته وجلساته الاجتماعية فالمرحوم الجليلي كان من امتع المتسامرين والمتحدثين وأكرمهم وانشطتهم توثيقا بهواية التصوير والنكتة الراقية.


توثقت علاقتي بالجليلي بعد الثمانينات وكنت ازوره في داره في الوزيرية عندما كان يحضر جلسات المجمع العلمي في بغداد والتي كان لا ينقطع عن حضورها طيلة بقاءه عضوا فيه منذ عام 1963 وكان يزورني أحيانا في مستشفى الرشيد العسكري وتعددت في مركز صدام لجراحة القلب كلما سنحت له فرصة حيث كانت زياراته توجيهية ومفيدة وملذة وكان لا ينقطع عن الغوص في اعماق العلم والأدب في كل احاديثه وزياراته حتى اني اصبحت من أشد التواقين للقائه وزياراته التي كثيرا ما كانت تأخذني الى الموصل سياقة في نهايات الاسبوع, كنت أرى فيه تجسيد لأخر رواد المعرفة والإشعاع في زمن الحصار البغيض وفي الزمن الذي كان من الصعب ان تجد فيه الحصافة والرقة والعطاء والنزاهة والاستقامة بعيدا عن أجواء السياسية والقدح والذم والتشبث بالجاه والمنصب وحينما تفرغ لرعاية عائلة اخيه واقاربه ومزرعته وهو يسوق سيارتة الشوفرليت البيضاء المجنحة القديمة في بغداد او يحرث الأرض بماكنة الحراثة في مزارع أهله او يجلس في داره بمكتبته الوارثة في الموصل بعيداً عن أجواء الضوضاء والترف.


كان لي شرف دعوته لحضور مؤتمر امراض القلب عام 2001 حيث القى محاضرته التاريخية عن تاريخ امراض القلب عند العرب في حفل الافتتاح في قصر المؤتمرات وقدمت له جائزة التكريم وكما عهدته كان رائعا ومثيرا في الإلقاء والحضوربشكل شيق ومثير .


كان الجليلي معرفيا وعلاَّمة في كل ما يخص العلم والأدب من شؤون وكان يحرص على تزويد الباحثين بما يحتاجوه من مصادر ومعلومات. كان دقيقا في اختيار الجمل وتعريف الكلمات ومعانيها ولا شك في ذلك فهو من اكثر الناشطين بعلم المعاجم وترجمة المصطلحات الطبية والعلمية .

عرفت الجليلي عن قرب وكثب موسوعة وخلقا ولطفا ونزاهة وزهدا وحنانا وشفقة وثيق الصلة مهتما بصلة رحمه ومحبيه ومعارفه عفيفا زاهدا لا يعرف التلون والتقلب او التقرب من السلطة والحاكمين ثابت الرأي سديد الحكمة زاهدا ومحبا للعلم والمعرفة مشغوفا بها ومهموما عليها .


رحم الله الجليلي وعطر الله ذكره واللهم اهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان وجزاه الله بما قدم لطلابه وخدم لأمته جنات النعيم وانا لله وانا اليه راجعون .