|
ماذا وراء حماس واشنطن للحلول العراقية؟
محمد عارف
مستشار في العلوم والتكنولوجيا
لم يبق في العراق غير "خََلَف" يجهل أن نظام الاحتلال قد هلك. أخبره ابنه بزواجه من مجندة أميركية جلبت له "إيدز"، فقال "خَلَف": "وليش ما سمّيته على اسم جدّه خَلَف"؟!.. هذه نكتة، والحمد لله الذي منحنا نعمة الضحك، وإلاّ كيف نتعامل مع تصريحات قادة الاحتلال بأنهم قرروا أخيراً ترك أمور العراق للعراقيين، والعمل على إيجاد "حلول عراقية للمشاكل العراقية"؟ هذه العبارة تتردد حالياً على لسان الجميع، من قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال دافيد بترايوس، وسفير واشنطن في بغداد ريان كروكر، وحتى الدبلوماسيين والمجندين الأميركيين والمرتزقة، المسلحين والمدنيين. وترتفع أصوات الثناء والإطراء لسكان ما كان يُسمى "المثلث السُّني"، في الأنبار، والفلوجة، والأعظمية، ومراكز المقاومة الأخرى للاحتلال، وحتى "مدينة الصدر" تعتبر الآن من الأمثلة على قدرة العراقيين في إدارة أنفسهم بأنفسهم!
ما سرّ هذا الإعجاب المفاجئ، الذي جعل السفير كروكر يشيد بعملية "توزيع الموارد النفطية من دون قانون ينظمها"، ويثني على أداء "مجالس محلية غير منتخبة"؟!.. ويعلن عن دهشته لعدم رؤية مراسلي الصحف "ما هو واضح للعيان تماماً"، وهو "أن العراق يملك حكومة، ونظاماً. ولديه حكومات محلية، وجيش وبوليس.. وقادة لكل هذه الأمور، يأخذون أنفسهم بجدية متزايدة".
وينافس العسكريون الدبلوماسيين في إطراء حكومة المالكي، حدّ أنهم يعتبرون "اعترافها بعدم قدرتها على تولي المسؤولية الأمنية في معظم أجزاء العراق أمراً يستحق الثناء"، حسب تصريح مسؤول عسكري أميركي لصحيفة "واشنطن بوست". ويشيدون بالحلول العراقية للمشاكل الأمنية حتى في البصرة الخارجة عن سيطرتهم، ويذكر الجنرال بترايوس أن الفضل في انخفاض مستوى العنف يعود إلى العشائر العراقية وجماعة مقتدى الصدر.
ويتبادل العسكريون والدبلوماسيون النقد والمديح. فالدبلوماسيون يأخذون على العسكريين ولعهم السابق بوضع الخطط واحتلال المواقع، ويشيدون بفهمهم الحالي لدور الأسرة والثقافة والدين في حياة العراقيين. ويثني العسكريون على تجنيد مختصين بما يسمى "علم الإنسان" (الأنثروبولوجيا) في مدينة الأعظمية لوضع "معجم" حول طرق التفاهم مع السكان، وترجمة تعبيرات وجوههم، وإيماءات أيديهم. لقد جعلتني هذه التجارب على سكان الأعظمية أفهم القول الساخر عن "الأنثروبولوجيا" التي طالما استخدمت في دراسة سكان المستعمرات: "إنه العلم الذي يدرس الناس، الذين لا يحتاجون إلى من يدرسهم، من قِبل من يحتاجون إلى من يدرسهم"!
وقد تفسر الأنثروبولوجيا الاهتمام "الإنساني" بالعراقيين والإيمان بأهمية "الحلول العراقية للمشاكل العراقية"... بعض المراقبين يعتبرونها مؤشراً إلى ظهور اتجاه واقعي جديد في واشنطن، ويراها آخرون اعترافاً بفشل الخطط العظمى لجعل العراق نموذجاً في الديمقراطية والاقتصاد الحر في المنطقة، فيما يعتقد العسكريون أنها حصيلة "الدليل الجديد لمكافحة المسلحين" الصادر عن الجيش الأميركي. يتبع الدليل وصية الرحالة والمغامر البريطاني لورانس: "لا تحاول أن تفعل الكثير بنفسك، فالأفضل أن يفعل ذلك العرب أنفسهم بشكل مقبول من أن تفعله أنت بشكل متقن". ولا يرى في الأمر جنرال بريطاني متقاعد سوى "التعبير عن محاولة واشنطن عدم الاعتراف بالفشل، والتلاعب المتهكم بالألفاظ للتغطية على الفشل، وتجنب معرفة أسبابه". وقد يبرر هذا الحكم امتلاك بريطانيا حق براءة اختراع "الحلول العراقية للمشاكل العراقية" الذي سجلته ميدانياً منذ الأيام الأولى لاحتلال بريطانيا للبصرة!
ويقول تفسير مقنع لهذه "الحلول العراقية" إنها محاولة "خلق قوات محلية متحالفة مع الولايات المتحدة، لكن معارضة للحكومة العراقية". يذكر ذلك وين وايت الذي قاد للفترة ما بين عام 2003 و2005 فريق الاستخبارات التابع لوزارة الخارجية الأميركية في بغداد. وأرى أن هذه محاولة حمقاء أخرى لشراء ولاء العشائر المناهضة للاحتلال مقابل 300 دولار شهرياً لكل مقاتل. فهذه النقود يقبضها شيخ العشيرة، الذي قد يحصل بواسطتها على 60 ألف دولار شهرياً، أو ما يعادل 720 ألف دولار سنوياً عن مائتي مقاتل. ويرى بعض المراقبين أن ذلك سيؤدي إلى تفكيك صلة الشيخ بعشيرته، أو استخدامه الأموال في جولة قادمة من المعارك ضد المحتلين.
وقد بلغ حجم إنفاق الجيش الأميركي على البرنامج المشهور باسم "الصحوة" 70 مليون دولار منذ بدئه في الرمادي في الصيف الماضي. وأشارك المراقبين شكهم في أن ذلك أدّى إلى خفض مستوى العنف بنسبة 60 في المئة. وأتساءل معهم عن جدوى موازنة "الصحوة" للعام الحالي، التي تبلغ 300 مليون دولار وتتحملها بالمناصفة واشنطن وبغداد. هل يضمن هذا المبلغ ولاء العشائر المناهضة للاحتلال لحكومة موالية للاحتلال ويقودها تحالف طائفي؟. وما يمنع القوات العشائرية من استئناف هجماتها على الحكومة، أو على المليشيات الطائفية؟ يطرح هذه التساؤلات أعضاء التحالف الطائفي الحاكم، الذين يعارضون ضم قوات العشائر إلى القوات المسلحة العراقية.
والسؤال الذي يهم القوى الوطنية المناهضة للاحتلال والطائفية هو: هل تمهد هذه التحولات لانسحاب قوات الاحتلال، أو لإعادة توزيعها لتغطية انسحاب قوات الحلفاء؟.. كِلا الاحتمالين وارد في سيناريوهات الجنرال بترايوس التي عرضها في المؤتمر الصحفي في قاعدة "عرفجي" العسكرية في الكويت في الأسبوع الماضي. والاستماع إلى أجوبة بترايوس على أسئلة الصحفيين أمرٌ مُسلٍّ، وفيما يلي فقرة منها كما وردت في البيان الصحفي للبيت الأبيض:
"تتحسن الأمور حسب السيناريو واحد حتى ونحن نبدأ بسحب قوات الحلفاء. وفي السيناريو الآخر تظل الأمور على حالها، حتى ونحن ننسحب. ثم هناك سيناريو آخر وهو أن تزداد الأمور سوءاً. ونحن ننظر هنا بشكل خاص إلى السيناريوهين الأولين، وما توقيت وخيارات البدء بسحب 15 فوجاً، وكيف ستكون وتيرة ذلك؟.. لكن لا توقعات مبكرة في أي حال، وكل ما نفعله هو مجرد النظر فيه الآن، واختباره والقيام مرة أخرى بما يسمى "الهندسة التكتيكية"، إن شئتم، والتي تنظر فيما قد يكون، وكيف سيعمل، وما الشكل الذي ستأخذه الظروف المتعددة المتحصلة؟.. وهذا هو الطريق الذي نمضي فيه إلى الأمام".
ولا أجد شرحاً لهذا الكلام أوفى من قول الكاتب الأميركي الهزلي مارك توين "إن الله أنعم على أميركا بثلاث نِعم، وهي حرية التعبير، وحرية التفكير، والحرص على عدم استخدام أيّ منهما أبداً". فما عدد السيناريوهات التي وضعها المحتلون، وما نتائجها؟ وهل تم النظر وفق "الهندسة التكتيكية" بحصيلة عمل أكثر من نصف مليون عسكري في القوات النظامية والمرتزقة؟.. وما الشكل الذي ستأخذه الظروف المتنوعة المتحصلة من هدر مئات المليارات من الدولارات، من أموال العراقيين والأميركيين؟.. وأيّ طريق إلى الأمام تعبِّده جثث وعذابات ملايين القتلى والجرحى والمقعدين واليتامى والأرامل والمشردين واللاجئين؟.. وهل يفقه الجنرال بترايوس، الذي يقال إنه يحمل الدكتوراه في العلاقات الدولية سيناريوهات مستقبل نظام احتلال خاضع لقوانين الفيزياء المعروفة باسم "الفوضى" chaos و"التشظِّي" fractals ؟.. وما سيناريو احتمالات هذه القوانين، التي قد تحول "خفق جناح فراشة في غابات الأمازون إلى كارثة مناخية في قارة أوروبا"؟
http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=33879
|