| hd |
الحوار
الوطني وحوار المواطنة في مقترحات الشيخ
الطائي |
|
|
منذر نعمان الأعظمي 11 مارس 2006 لا شك أن دعوة موقع " ثوابت"
الألكتروني للحوار الجاد حول طريق الإنقاذ
الوطني في العراق، وجعل رسالة الشيخ قاسم
الطائي محورا أوليا له، ستغني قضية التحرير
والوحدة الوطنية.( *)
كما أن هذه
الخطوة تخرج بالإعلام الوطني من مجرد
المواكبة اليومية والمعلومات المباشرة عن
الأحداث والمواقف الى محاولة إنضاج البدائل
الفكرية المتأنية عبر عمل جماعي مؤطر. وقد
يقول قائل أن مئات المقالات المنشورة في
عشرات المواقع الألكترونية تفعل الشيء نفسه.
الفرق في نظري يأتي أولا من وجود محور واحد
للتفاعل، مهما كان واسعا في آفاقه، لمساهمات
متعددة، وثانيا أن الكُتٌاب في هذه الحالة،
مهما أختلفوا في إنتماءاتهم الفكرية،
سيكونوا ضمن التحالف التأريخي بين التيارات
اليسارية و الإسلامية والقومية الملتزمة
بمقاومة الأحتلال، وبالعدالة
الإجتماعية وحرية الأنسان وحقوق الأمة.
وبالتالي فأن هناك تعدداً في الوحدة،
وتفاعلاً فيه الثقة والإحترام المتبادل.
وظنٌي أن محرري الموقع سيضمنون لقرائهم
ذلك، وبالأخص سينتبهون الى أن ما يطلبونه هو
الحوار الوطني حول مشروع إنقاذي يقتضي
التفاهم مع
عراقيين قد لا يؤمنون بالوطنية أصلا. وسأقتصر هنا على معالجة هذا
الجانب ، وجانباً آخر يتعلق بدور علماء
الدين، ومن ناحية المبدأ وليس دخولا في
التفاصيل أو الصياغات المحددة. التمييز
بين الوطنية والمواطنة: أن ميثاق الشراكة الذي طرحه
الشيخ الطائي، مهما كان مطعما بالثوابت
الوطنية، مشروع للأنقاذ الوطني، يُدْعى
اليه جميع العراقيون. مثله مثل دعوة سكان
مدينة ما جميعاً للتعاون أبان فيضان يهدد
حياتهم جميعا، سواء كانوا فقراء أم أغنياء،
طيبين أم أشرارا ، أم حتى مجرمين. ففي أوقات
الكوارث ، كالطوفان او الزلازل او الحرائق،
تتراجع كل التمايزات والأولويات أمام
الحفاظ على النفس البشرية اليوم وغدا، ريثما
نستطيع العودة الى وضع آخر، بعد غدٍ، نخوض
فيه الصراع السياسي، وحتى العسكري، بدون
الدمار الشامل للجميع. ونحن
كنا قد إقتربنا من هذه الحالة الكارثية
في آخر شهر شياط 2006
بعد تفجير قبة سامراء والهجوم على الجوامع ،
وذلك بسبب متاجرة السياسيين المستهترين
وجهل الجهلاء وتركة الإستبداد في إفساد
الكثير من النخب. وهولاء جميعا عراقيون أيضا
، والتعامل معهم جزء من مسؤلياتنا كوطنيين
في تصورنا للمستقبل، أي
انهم ممن تشملهم المواطنة بصرف النظر عن
خدمتهم عمدا أو من غير عمد لأطماع الأجانب
والصهاينة.
هذه هي الإشكالية أذن.
أي أننا نناقش فيما بيننا كوطنيين
ملتزمين بالإستقلال التام والثوابت الأخرى
ماهية الخطوات التي نستطيع القيام بها مع من
ليس بالضرورة وطنيا، أو لديه مفهوم فضفاض
للوطنية لا يعتبر استقلال القرار أو الحفاظ
على ثروة الأجيال أو الأرض أوالألتزام
بفلسطين أو العدالة الإجتماعية، أو غيرها
مما نؤمن به، بقدر أهمية الإنتقام، أو
المصلحة المادية، أو
السلطة، أو الاوهام العرقية أو الدينية،
ضمن نظام العولمة الراهن. أن
الشيخ الطائي واحد من مؤسسي المؤتمر
التأسيسي العراقي الوطني وعضو في امانته
العامة الأولى. وبالتالي
فأنه في صلب التيار الوطني التوحيدي
الملتزم الذي يجمع بين الأثنيات والأديان،
والداعي للتفاعل بين التيارات السياسية
الطبيعية إسلامية كانت أو قومية أو يسارية،
وبين المجالين السياسي والأهلي- المدني
عبرالنقابات والجمعيات المنظمة والهيئات
العشائرية المكونة للمؤتمر.
وقد أمتنع المؤتمر التأسيسي عن الدخول
في اللعبة السياسية التي يسيرها الإحتلال،
مشترطا كأساس لمحاورة الأطراف الأخرى
مطالبتها بجدولة الأنسحاب التام وإلغاء
تبعات الأحتلال والتوجه نحو نظام ديمقراطي
قانوني. وبالتالي
فأن مشروع الشيخ الطائي
يبدو مقترحا جديدا وتطويرا
لمباديء المؤتمر التأسيسي الوطني على مستوى
آخر يطرح تلك المباديء في ظروف حرجة جديدة،
يرتأي أنها تستلزم التفاهم حتى مع
المتعاونين مع الأحتلال أو بعضهم، والتعامل
مع حكومة لا شرعية بمطالب ودعوات لحقن
الدماء، أي بمنظور تقنوقراطي ضروري. أنني
ممن يرى أن وجود هذا المستوى العملي
الأنقاذي للحوار أمر لا بد منه، بموازاة
الصراع الوطني بكافة أشكاله العسكرية
والسياسية، وليس بديلا عنها.
أن القسم الأعظم من المتعاونين مع
الإحتلال يبقون مواطنين لهم حق المواطنة
حتى أن مُنِعوا بعد التحرير من الولاية
والزعامة لزمن ما بسب مواقفهم وعدم ولائهم
للأمة (على قياس موقف المسلمين في كفار مكة
بعد الفتح بأن الواحد منهم
"يُجْبى ولا يُولٌَى" ، أي تنطبق
عليهم الضريبة و قواعد المواطنة مع منعهم من
مواقع المسؤلية والزعامة)، بإستثناء من كان
مسؤلا عن جريمة أو إختلاس، فيعاقب عليها
فرديا وفق القانون. وهذه المباديء مشمولة في
عدد من النقاط المذكورة في رسالة الشيخ
الطائي. دور
رجال الدين: ينعكس
أعتماد المجتمع العراقي حاليا على رجال
الدين والعشائر والتكوينات الأهلية
المحلية في رسالة الشيخ الطائي. وهذا أمر
طبيعي وإيجابي ولا أعتقده مثلبة في
مقترحاته. فهذه
التكوينات، وأن كانت تبدو في الظاهر مجرد
"عودة الى الوراء" ، فهي خط الدفاع
الأخير للمجتمعات العربية الأسلامية في وضع
انهيار الدولة والمجتمع المدني.
أنها الخطوط الدفاعية التي حافظت على
النسل والحرث والهوية عبر القرون
المظلمة وأن لم تمنحنا الا القليل من حيوية
التجديد والنهوض. وأرى
أنه لابد من التفاعل معها والبدء منها
بالذات، لا من خطط مجردة على الورق أو في
المخيلة، في إعادة بناء الدولة الوطنية بعد
التحرير، أي للنهضة العراقية والعربية
الجديدة الواقفة بثبات على قدمي التراث
والعلم الحديث. الأشكالية في الفرق بين
الإسلام السياسي، وبين رجال الدين المسلمين
على تعدد مشاربهم. أن
علينا الأعتراف بأمرين يبدوان متناقضين:
الأول أن الحركات السياسية الإسلامية
في العراق في كثير
من الحالات لم تكن عامل توحيد للشعب في
مقابل الإحتلال ( ولم تكن ذلك في
مقابل الدكتاتورية في الماضي أيضا) بل
كانت عامل تمزيق. والأمر الثاني في مقابل
ذلك أن أغلب علماء الدين المسلمين من مختلف
المذاهب والفرق قد لعبوا دورا تهديئيا
إرشاديا لمنع الأحتراب الطائفي.
أن عامل التمزيق يتحمل ذنبه حفنة من
السياسيين والتجار اللبراليين، الذين
جندو بالتنسيق مع المحتل بعض رجال الدين
الحقيقيين والمزورين، لتحويل
المذاهب، التي هي جانب طقوسي أو ثقافي
وأكاديمي طبيعي في كل دين، الى
طائفية وإحتراب. وأستنفر ذلك من أستنفر في
مقابله لمن أرتأى كسب رصيد سياسي أوتجاري في
التعامل مع الأحتلال أو حتى ضده. و
بالمقابل من هذا التصعيد السياسي المغطى
بالدين كان عامل التهدئة
في أيادي اغلبية رجال الدين المسلمين
الآخرين عبر المذاهب أيضا في مختلف مراتبهم
و أماكن تواجدهم، مدفوعين أما بدوافع
محيطهم الأجتماعي ببساطته وفطريته أم برؤية
وطنية أوسع وأبعد مدى. وتتمثل هذه الرؤية
الأوسع بالشيخ قاسم الطائي وأمثاله كالشيخ
جواد الخالصي والسيد أحمد البغدادي والشيخ
حارث الضاري وأصحابه في هيئة علماء
المسلمين وأغلب رموز التيارات الصدرية
وكثيرون غيرهم. بل أن المرجعيات الإسلامية
الكبيرة نفسها التي تعامل معها الأحتلال
وعملاؤه باعتبارها الأكثر نفوذا وتأثيرا من
الناحية السياسية ، رغم مواقفها المتميزة
بالمهادنة وتهدئة الغضب الشعبي ضد الإحتلال،
فأنها غالبا ما إتخذت أيضا مواقف تهديئية
مشابهة تجاه الفتنة الطائفية. وهذا
المشهد يوضح إمكانيات وحدود رجال الدين
وضرورة تقديرهم بشكل واقعي . في
بلادنا وفي ظروف انهيار المجتمع المدني
يقوم رجل الدين بدور المرشد الإجتماعي .
أنهم في أغلبهم لم يطلبوا أكثر من هذا الدور
ولم يتأهلوا في كليات الشريعة لغيره،
وليسوا طامحين، كما صرح الكثيرون منهم
تكرارا على الفضائيات،
أن يلعبوا أدوارا سياسية أو أدارية
ناهيك عن أدوار استراتيجية وقيادية. أن دور
المرشد الإجتماعي هذا دور
مهني محدود ، كما في مهنة المعلم والمربي،
إنما للبالغين والبالغات الذين هم بحاجة
للتوجيه اليومي في ظروف إنعدمت فيها الأطر
القانونية والضمانات التي تعودوا عليها في
المجتمع المدني. أن صورة القلة
القليلة من رجال الدين الذين
توجهو للسياسة والعمالة سعيا للمنفعة
المادية المنشودة في
بدء الإحتلال من ربح مشاريع
السياحة الدينية الخيالي حوالي المدن
المقدسة، أو السلطة والجاه، ليست
الصورة النمطية لرجل الدين العراقي.
كما يجب ان لا تختلط
تلك الطموحات الرأسمالية الفظة،
وعلاقاتها العالمية المشبوهة الحرام،
بالتكسب البسيط ، وربما الطبيعي في
المجتمع التقليدي، لبعض
رجال الدين من دخل المراقد والأوقاف، وحتى
من الإستيراث العائلي لتعهدات
الخدمات كالسقاية وبيع البضائع الرمزية في
مواقع الزيارات، أو أدارة التعزيات والطقوس.
أن أغلب علماء الدين من المذاهب
الآسلامية الرئيسية
عندنا، يلا يحبذون التكسب من الدين، لكن
التخلص من ذلك عملية تأريخية تحتاج الى
ظروفها. أن
لرجال كالشيخ الطائي دور بارز اليوم في
تجاوز أزمة أسقطنا فيها الأحتلال وعملاؤه،
كما أسقطنا فيها الضعف التنظيمي والفكري
للحركة الوطنية العراقية
بعد حقبة طويلة من القمع والأستبداد من
جهة والتبعية الفكرية للغرب والشرق من جهة
أخرى. وكون الشيخ
الطائي عضوا في هيئة علماء الدين الموحدة (مع
الخالصي والبغدادي والضاري والصدريين
وحزب التحرير وغيرهم كثيرون) التي ترمي
لوحدة المذاهب الأسلامية واقلمة الدين
لمستجدات الحياة العصرية تجعله حليفا
طبيعيا في مستقبل
عراقي يضمحل فيه التزمت والتخندق السياسي
في المذهبين السني والشيعي ليعودا كما يجب
أن يكونا مدارس فكرية وحتى طقوسية لا تنوخ
بالسلطة على الناس. وآنذاك سيكون التمييز
بين المجالين الديني والدنيوي، بل وحتى
التفاعل الروحي بينهما، عامل قوة ووحدة بين
العراقيين وأحد أطر نهضتهم، ووحدتهم
الطبيعية مع محيطهم العربي والأسلامي
والعالمي. * نُشرت
"رسالة آية الله الشيخ قاسم الطائي الى
الشعب العراقي العظيم والقوى والكيانات
السياسية والدينية العراقية " المعنونة
"ميثاق شراكة
وطنية" في أواخر شهر شباط / فبراير 2006 بعد
أيام من جريمة تفجير قبة الأمامين الهادي
والعسكري في سامراء يوم 22 شباط،
أبان الأحداث التي تلتها من تخريب المساجد
وو تزايد جرائم الإغتيال الطائفية المدبرة
أو غير المدبرة . و
ما نشر من الرسالة 14
فقرة مرقمة، وقد تكون هناك سطور أخرى قد
غابت هفوا مع التذييل والتأريخ المفقودين.
أن بعض هذه النقاط عملية وآنية ( 1، 2، 4، 5)
وبعضها الآخر سياسية وأدارية أو قانونية (6،
7، 8،9، 10، 12، 13 ) مع أخرى توجيهية
وإجتماعية ( 3،11، 14)
. وبصرف النظر عن طابع المناشدة العاجلة
وسعة المواضيع المطروحة فيها فقد أصبحت
الرسالة مجالا مثمرا للمناقشة الهادفة بين
الوطنيين، وفرصة لقراءاتهم لمواقف بعضهم
البعض.
|
||
| top |