|
من الموصل الحدباء
منارة الحدباء قبل فوات الاوان
مركز دراسات الموصل يحتضن 10 توصيات لتدارك سقوط
منارة الحدباء احدى ابرز الشواهد التاريخية في مدينة الموصل
عبدالوهاب النعيمي
على مدى 836 سنة وهو عمرها الذي طاولت به عوادي الزمن ، ظلت شاخصة شامخة حتى اصبحت واحدة من ابرز الشواهد التاريخية ، وواحدة من ابرز المعالم الاسلامية ، وواحدة من اهم الاوابد الاثرية في مجال المعمار ليس في مدينة الموصل التي تحتضنها وحسب ، بل في عموم العالمين العربي والاسلامي ، لما تحمله من دلالات حضارية ورمزية من حيث الموقع والتصميم والعمر الزمني والنواحي الفنية والجيولوجية .
هذه المنارة تستغيث الان ، انها آيلة للسقوط ، في اية لحظة او دقيقة قد تتعرض الى انهيار جزئي او كلي ما لم تسرع الجهات المعنية في البدء بصيانتها وايقاف الانهيار الذي يتهددها بين اللحظة واللحظة .
جامعة الموصل رفعت صوتها مدويا من خلال مركز دراسات الموصل الذي يعد احد ابرز المراكز البحثية في تاريخ وتراث مدينة الموصل ، نبه كثيرا ، ومنذ زمن بعيد ، وما يزال حتى الان الى ضرورة ان يتبنى المسؤولون في مؤسسات الاوقاف والتراث والآثار والمحافظة وجامعة الموصل وبقية الدوائر والمؤسسات الساندة الاخرى للقيام بحملة واسعة محليا وعالميا لايقاف نزيف هذا المعلم الحضاري المهم الذي اصبح جزءا من حضارة الموصل ، التي هي جزء مهم وحيوي من حضارة العراق ، وقد احتضن المركز عشر توصيات تم الاعلان عنها في ختام ندوة بحثية علمية اقامها المركز مؤخرا داخل الحرم الجامعي بحثت في تفاصيل تاريخية دقيقة ، وطرح المشاركون فيها وبشكل صريح وواف معالجات علمية آنية وستراتيجية من شأنها ان تسهم في اطالة عمر هذا المعلم الذي يمثل رمزا او هوية لمدينة الموصل والموصليين كافة ، وصرحا نادرا ، قل مثيله في مدن المعمورة .
عن اثر منارة الحدباء واهميتها الحضارية والتاريخية عمل الدكتورمدي مركز دراسات الموصل على مدى اكثر من اربعة اشهر مضت للتحضير لهذه الندوة التي اتسمت بحوثها بالطابع العلمي الرصين ، المجردة من العبارت الانشائية والوصفية ، محتكمة الى المنطق العلمي في حقول الهندسة المعمارية وما يرافقها من علوم ساندة في مجالات فيزيائية وجيولوجية ، لما شهدته المئذنة عبر سنوات عمرها من تلوثات هوائية وظواهر الاحتباس الحراري والامطار الحامضية والعواصف الغبارية الى جانب ما تعرضت له مدينة الموصل من هزات ارضية تربو على الستين هزة خلال القرون الثمانية المنصرمة ، وما تعرضت له مدينة الموصل من ظواهركارستية بسبب ارتفاع مستويات المياه الجوفية ، بأشارة واضحة من العلماء والباحثين المشاركين في اعمال هذه الندوة الى ان منارة الحدباء وعموم مدينة الموصل القديمة تطفو الان على بحيرة من المياه الجوفية ، والتي كانت احدى المسببات الاساسية في تسريع التصدعات والشروخ التي ظهرت على قاعدة المنارة وبقية الاجزاء الاسطوانية الاخرى فيها.
لمعرفة تفاصيل اكثر حول الموضوع التقينا بالاستاذ الدكتور ذنون الطائي مدير مركز دراسات الموصل ليحدثنا عن آخر المستجدات التي توصل اليها الباحثون المشاركون في اعمال الندوة ، وهل يجد ان اصوات العلماء والباحثين والادباء والمثقفين عموما في مدينة الموصل الذين اشتصرخوا الجهات المعنية للالتفات الى منارة الحدباء بصفتها الرمز الذي تعرف به مدينة الموصل تاريخيا وحضاريا كافية لتوجيه الانظار بشكل جاد وحقيقي لصيانة هذا الاثر المهم ، فقال : " تزخر مدينة الموصل بالعديد من المعالم الآثارية ذات الدلالات الدينية والحضارية المعبرة عن عمق التأثير الحضاري الاسلامي والعربي لهذه الحاضرة العربية عبر فترات التاريخ الطويل التي مرت بها ، فعندما وصلها الاسلام سنة 16 هجرية شيد فيها الجامع الاموي سنة 17 هجرية ، ثم تلاه الجامع النوري الذي اكتمل بناؤه سنة 1173 م حيث اطل علينا بمنارته السامقة الشامخة، وكأن لسان حالها يقول ان الموصل ولدت لتبقى شامخة بأهلها وسجلها الحضاري والثقافي ، واسهاماتها الانسانية عبر كل العصور ، على الرغم من تقادم الزمن على عمر هذه المنارة الذي بلغ 836 سنة والذي يفصح عن عبقرية المعمار الموصلي " ابراهيم الموصلي " الذي قام ببنائها فأن هذا العمر الطويل يدلل على عظمة عطاء هذا المعمار وحسن تفكيره المنظم والمؤطر بآيات الابداع ، الى جانب ما يستند اليه من اسس فيزياوية وهندسية ومعمارية وجوانب فنية اخرى مكملة للجوانب الجمالية التي تزخر به العمارة الموصلية ، ولا سيما في الزخارف الخلابة التي اجاد بصياغتها المعمار الموصلي في تلك الحقبة البعيدة من الزمن .
ان وجود مئذنة الحدباء يدعونا بما لايقبل الشك الى استخلاص العديد من الدروس والعبر المستنبطة منها ، ففي هذا الوقت الذي نشهد فيه تداعيات هذا الصرح الذي يعد رمزا حقيقيا لمدينة الموصل ، وبما هو عليه من اشكال متهرئة آيلة للسقوط في اية لحظة يدعونا للبحث عن سبل الحفاظ عليه من السقوط والاندراس كما فعل الزمن مع الكثير من الشخواص التاريخية من قبل " لذا فقد اقمنا ندوتنا الاستذكارية بدعم واسناد من لدن السيد رئيس الجامعة الاستاذ الدكتور ابي سعيد الديوه جي الذي ضم صوته مع اصوات علماء ومثقفي وادباء ومؤرخي مدينة الموصل بغية التسريع والتعجيل بأنقاذ هذا الاثر الحضاري المهم ، وقد عمدنا الى اعطاء الصورة الحقيقية لوضع المنارة حاليا وطرح المعالجات البنائية والمعمارية من خلال البحوث التي ابتعدت عن الحالة الوصفية والآثارية لهذا المعلم ، وتركزت على الامور العملية التي من شأنها لو عملت بها الجهات المسؤولة في الحكومة المركزية ببغداد او الحكومة المحلية في نينوى ان تطيل من العمر الزمني للمنارة وتقيها شر السقوط ، حيث تنوعت الآراء ما بين الهندسة المعمارية والمدنية بكل ما يتميز به الفكر الهندسي في جامعة الموصل من ابداعات خلاقة ،وما بين العلوم الفيزيائية والجغرافية والجيولوجية التي شخصت الحالة التي تسببت في احداث التصدعات في قاعدة المنارة وجسمها ، وآثرنا ان نضع نصب اعين الجهات المسؤولة عشر توصيات احتضنتها جامعة الموصل لرفعها الى الجهات المسؤولة تتسم بمعالجات علمية لصيانة المنارة وحفظها من التداعيات التي تعاني منها ، حيث اوصى الباحثون ممن شاركوا في ندوتنا ومعهم كم هائل من الادباء والمؤرخين والعلماء من اهالي مدينة الموصل بدعوة المؤسسات والدوائر الرسمية المعنية وذات العلاقة في مدينة الموصل وفي الدولة لإنقاذ مئذنة الجامع النوري من السقوط والإنهيار وإدامة بقاءها من خلال معالجة التلوث في تربة المئذنة حيث انهناك حاجة ماسة لإعادة النظر في شبكة الإسالة بشكل شمولي وإنشاء شبكة صرف صحي وذلك للتخلص من المياه الجوفية ، وبالرغم من أن هذه العملية تحتاج الى مشروع طويل الأمد ولكنه ضروري ، وإذا ما فكرنا بحل واقعي للأخطار التي تتعرض لها المئذنة يتوجب علينا دراسْة واقع المياه الجوفية المتواجدة او التي تصب حول المئذنة الى مسافة 50م وبعمق 20م ، و دراسْة طبيعة التربة في المحيط نفسه ،و اتمام احاطة أسس المئذنة على نفس العمق والبعد في النقطة الأولى بجدار إسمنتي اسطواني بقطر 50م ليتم عزل ألاساس عن مجرى المياه الجوفية واعاد علاج التربة لكي تكون ساندة فعلية للمئذنة و تطبيقاً لنظرية بنَّائي الموصل القدماء في هذه الحالات لتفادي حصول هطول في أحد الجدران لابد من توسيع النعل ويقصد به صب أساس عريض ، وفي هذه الحالة اقترحنا عمل أساس كونكريتي مسلّح بعرض (10م) من كل جهة من جهات الكرسي الأربعة وبعمق مناسب مع أذرع جانبية مساعدة ويتصل هذا الأساس بالكرسي بواسطة قضبان حديدية هي جزء من التسليح وتدخل في بناء الكرسي بعد تثقيبها ويجري الحفر والصب على مراحل لكي لا تميل المئذنة الى الجهة التي يتم الحفر بجانبها ، على أن يسبق كل ذلك عمل سكلَّة حديدية تطوق المئذنة من كل الإتجاهات والى إرتفاع مناسب يقرره المهندسون المتخصصون ولا ترفع هذه السكلَّة إلا بعد الإطمئنان من نجاح المحاولة بعد مراقبة الميلان وليس هناك من اشكلات في أبقاء السكلَّة لحين إيجاد حل نهائي للمئذنة من قِِبل احدى الشركات ألمتخصصة في هذا المجال .
مقترحات ومعالجات تتعلق بالمكان
و فيما يخص موقع المنارة الحالي والذي يغص بالمياه الجوفية ، فقد ارتأى المشاركون في اعمال الندوة استبدال موضع المنارة الحالي الكائن في الجهة الشمالية الغربية بموضع آخر في ساحة الجامع نفسها وعلى بعد بضع عشرات من الأمتار عنها على الجهة أو الزاوية الشمالية الشرقية داخل الجامع ، و لا يكون في هذا الامر اية إشكالاًت جوهرية تستدعي الاعتراض حيث بأمكان هذا الموضع ان يضفي حرية عمل وحركة عمرانية مسيطر عليها تنفيذاً وإنجازاً مضمون النتائج بفعل هذه المساحة الخالية له .
كما ارتأى المشاركون في الندوة انه من الأوفق حفر موضع قاعدة المنارة الجديد بأبعاد وبمساحة أوسع وأكثر عمقاً لضرورة العمل والتحرك المريح اللازم فيه حيث ان المكان يسمح بذلك ، ومن الأضمن أن تكون قاعدة المئذنة الواقعة تحت مستوى الأرض الحالية أكبر حجماً من تتمتها الكائنة والظاهرة فوق مستوى الأرض حالياً والمسماة (الكرسي) لكي تتحمل ضغط المئذنة الهائل بغية ان يستقر التوازن لها مستقبلاً ، ونرى أن تبنى قاعدة (أساس) كرسي المئذنة بشكل جرسي الشكل أو مثمن الأضلاع وذي إستطالات خارجة عنه بالكونكريت المسلح المضمون والفوري أو السريع التصلب وبالسمنت المانع للرطوبة وللمياه الجوفية لزيادة ضمان توازنها وعدم ميلانها مستقبلاً ، وقد اقترح المعنيون من ذوي التخصصات الهندسية القيام بعمل تجويف إسطواني الشكل بقدر قطر قاعدة بدن المئذنة الأسطواني يخترق الكرسي الظاهر للمنارة والقاعدة السفلية لها من الأعلى إلى ما قبل أسفلها بأمتار معدودة لغرض إحتواء وإنزال بدن المنارة فيه ، على تؤخذ بنظر الاعتبار دراسة محاولة إمكانية قص أو تقطيع بدن المئذنة من الاعى نزولا حتى الكرسي بالمناشير على مراحل بعد ثبوت كونه صالحاً لديمومة البناء له مجدداً بتقارير مختبريه مسؤولة وضامنة للحالة المذكورة من جهات متعددة ، ليتم البناء بهذا الأسلوب المقبول آثارياً ،أما إذا كان ذلك غير مجدٍ ولا مضمون النتائج فمن الأوفق والأجدى أن يتجه التفكير إلى بناء العمود الأسطواني لبدن المنارة بالكونكريت المسلح وفق مواصفات وأبعاد بنائها الحالي وبالقياسات الدقيقة ، ولا بد ان نذكر هنا أن العمل هندسي التنفيذ بالدرجة الأولى .
ويضيف السيد مدير المركز : اما من الناحية الآثارية فيقتضي تغليف كرسي وبدن المنارة بالطابوق أو الآجرنفسه الموجود عليها حالياً بعد قلعه وترقيمه وإكمال النقوصات الزخرفية فيه ، ونجد ان في هذه الصورة او الرؤية الهندسية التي قدمناها تكون أعمال البناء والإعمار جارية في الموقع البديل بوضعية طبيعية يقابلها أعمال التفكيك (التفليش) والقص للكتل وترقيم قطع الطابوق والآجر القديم سائرة بصورة متأنية ودقيقة تخدم العمل .
زيادة انحراف المنارة يشكل ظاهرة خطيرة
في البدء كان علينا ان نتعرف على الاسباب الكامنة وراء الانحراف الذي يظهر على جسم المنارة من الناحية العلمية ، والذي بدأ بالازدياده في السنوات الاخيرة .
عن هذا الميلان او الانحراف قال
الاستاذ الدكتور محمد طيب حسين الليلة عميد كلية الهندسة بجامعة الموصل الى ان منارة الحدباء قد أنشئت سنة 1172م و تعاني هذه المنارة الان من تشققات في جهاتها كافة مع انهيار جزئي في الدرج الخارجي وفي القبة العليا منها، إضافة إلى إنحراف إزداد مع الوقت بحيث أصبح مخيفا ويهدد سلامة المنارة ولا يوجد ما يشير متى بدأت المنارة بالانحراف ولكن المعلومات المتوفرة حديثاً تشير إلى أن الانحراف كان 1,40م سنة 1964م فيما توسع ذا الانحراف خلال عام 2007 ليصبح2.53
أثناء التحريات الحقلية التي تم القيام بها وجد أن هناك جدران على شكل أذرع تمتد من الأساس إلى الخارج عرض كل جدار 0.75 م وسمكه 1.5 م وبين هذه الأذرع هناك جدران عرضية بنفس العرض والسمك وتم بناء قبب (عكادة) بين الأذرع والجدران العريضة بعد أن ملئت الفراغات بتربة غير مرصوصة. إن هذه الأذرع ساعدت في عملية البناء وساعدت على استقرارية أساس المنارة طوال هذه المدةالزمنية البعيدة ، ومن المهم أن نذكر أن التحريات أجريت في الجهة الجنوبية ولم يتم التأكد من وجود هذه الأذرع في الجهة الشرقية وهو إتجاه الميل لصعوبة وخطورة القيام بأعمال التحريات في تلك المنطقة.
اما ألاسباب التي ادت الى ميل المنارة بهذا الشكل المخيف ، فهناك اربعة عوامل رئيسة تواترت على ميلانها ، العامل الاول منها يكمن بتأثير الرياح الشمالية الغربية حيث أن معدل اتجاه الريح 28ْ شمال غربي وهو قريب من اتجاه ميل المنارة البالغ 20ْجنوب شرقي ، والعامل الثاني يتأتى من تأثير تغير درجات الحرارة اليومي والفصلي إضافة إلى تأثير عوامل بيئية أخرى (نسبة الرطوبة) على المواد المستخدمة في البناء مما أدى ضعف مقاومة المواد فيما يتأتى العامل الثالث من عوامل إنشائية مثل وجود فتحات الدرج الذي قلل من جسامة القاعدة كما ان للتربة المحيطة بموقع المنارة تأثيرات سلبية ، وهذا العامل الرابع ، حيث ان حركة المياه حول أساس المنارة أضعف التربة وأزال جزء منها مما أضعف إسناد هذه التربة للمنارة.
المؤثرات البيئية على بعض المعالم ألأثرية
في الموصل
ويتحدث الاستاذ الدكتور معاذ حامد مصطفى عميد كلية علوم وتقانات البيئة عن التربة الجبسية ومواد البناء المتعارف عليها في مدينة الموصل والتي دخلت كعنصر فاعل واساسي في تشييد منارة الحدباء قبل 836 سنة دون ان تظهر عليها علامات العجز الا في سنوات النصف الثاني من القرن المنصرم ، حيث يقول :
من المعروف أن التربة الجبسية هي أحد سمات تربة مدينة الموصل القديمة وهذا ما جعل الكثير من الأبنية تغور تحت الأرض بتأثير مستوى الماء الجوفي والذي ازداد منذ منتصف القرن الماضي بسبب نضوحات شبكة مياه الإسالة لعدم وجود عوازل حيث تتآكل هذه التربة بفعل اختلاطها بالمياه الثقيلة وذلك لعدم وجود نظام تجميع محكم للفضلات بشكل دقيق. وهذا ما يمكن أن يكون أحد الأسباب الرئيسة التي تأثرت بها منارة الحدباء مثلاً ، ثم إن المياه الملوثة غالباً ما تحمل مركبات عضوية و هذه بدورها يمكن أن تتحول مع الوقت الى حوامض عضوية ضعيفة بفعل الأحياء المجهرية وكلاهما يمكن أن يغير الخصائص الفيزياوية (الميكانيكية) والكيماوية لمادة البناء (الصخور) فضلاً عن المادة المالئة ، كما ان التباين في درجات الحرارة وخاصة الإنجماد الذي يمكن أن يشرخ الصخور ويفتتها، وهذا ما يمكن حدوثه عند تجمد المياه في شقوق الصخور للتمدد الكبير الذي يحصل من جرآء ذلك، وأبلغ حالة هو إنجماد مياه نهر دجلة في أوائل القرن الماضي شتاء 1911، وهذا يعني أنه في أقل تقدير قد تجمد ما سمكه 1 متر وانخفضت درجة الحرارة الى أقل من 25 ْ م تحت الصفر، و مثل هكذا إنجماد ( وبموجب التصاريف السابقة للنهر والتي وصلت في فيضان عام 1907 الى 9500م3/ثا أي أكثر من فيضان 1963 بحدود 750م3/ثا)، و لا يستبعد تأثيرهذا الإنجماد على جسم منارة الجامع النوري ، ونعني الشروخ الصغيرة والكبيرة الحاصلة فيها.
وفي صدد مواد البناء فقد روى لنا أحد العاملين في بناء قناطر الخوصر المرحوم محمد على محمود الغملة قبل أكثر من 30 سنة فذكر أنه قد تم مزج مادة النورة مع دبس العنب أو ما كان يسمى محلياً (حلو الجبل) حيث استخدم في تحشية بعض المناطق والفواصل بين قطع المرمر ألأسمر (الحجر) أو الحلان وهذا أيضاً من الموروث المتعارف عليه في هذا الصدد. وعليه فإنه من المرجح أن تحدث تفاعلات ترسيبية بين النورة والسكريات خاصة بنسبة 3 إلى 1 إلا أن ديمومة ذلك غير واضحة أو معروفة لدينا.
والمتوارث من الأخبار أن النورة قد عرفها أهل الموصل منذ القدم وكذلك الجص والذي يهمنا هنا كيفية التعامل مع ألأسس المبنية في تربة مشبعة بالجبس كمنارة الجامع ألنوري
حيث يعتقد أن المادة المالئة للأسس تتكون من مزيج النورة ومرق العظام ذي القوام اللزج والمشبع بالكالسيوم والفوسفات، وهذا الاعتقاد يقود إلى حقائق منها :
أن النورة ستتفاعل مع الفوسفات لتكون معقد بمجموعة كبيرة من الجزيئات بما يعرف بالبلمرة، حيث أن الفوسفات غالباً ماتكون بشكل معقد متعدد الجزيئات خاصة من مصادرها الطبيعية مثل العظام ، وتتفاعل النورة مع المركبات العضوية لتقوم بتكون رواسب أبرزها كاربونات الكالسيوم وهو المادة ألاساسية لمكونات حجر الكلس ، و هذه المادة بدورها تعطي القوام الهلامي اللزج لمزيج النورة بمرق العظام خصائص من شأنها مقاومة تأثير الإذابة بالمياه ، وهذا المزيج من المواد يعطي قوة تماسك كبيرة في البناء كما هو الحال في منارة الحدباء وبقية الابنية الاخرى التي ما تزال شاخصة للعيان في مدينة الموصل .
الأهمية الأثرية والدلالات الحضارية
لمئذنة الجامع النوري في الموصل
اماالأستاذالدكتورأحمد قاسم الجمعة من قسم الاثار في كلية الاداب جامعة الموصل فيتناول الأهمية الأثرية والدلالات الحضارية لمنارة الحدباء ، حيث يقول :
مئذنته الحدباء تعد من أهم الأوابد الأثرية المعمارية ليس بمدينة الموصل والعراق فحسب بل في أنحاء العالم الإسلامي قاطبة ، لما تحمله من دلالات حضارية ورمزية من حيث الموقع والتصميم والتاريخ والنواحي الفنية والجيولوجية وتأثيرها على العديد من مآذن المساجد اللاحقة.
ولهذه المئذنة مميزات فريدة ومبتكرة من نوعها فضلاً عن ضخامتها وارتفاعها الكبير فهي تحتوي على سُلَّمين في داخلها وغطيت بالكامل بزخارف هندسية متجانسة باستثناء القسم الأسفل من القاعدة بارتفاع (8,80م). و تم تشييدها بالحجارة الكلسية غير المهندمة والجص كمادة رابطة وتغليفها بالآجر،فضلاً عن انحنائها نحو الشرق.
والمتفحص للمميزات المعمارية والفنية المتمثلة بالمئذنة تتجلّى له عبقرية المعمار الذي نهض ببنائها، وإلمامه بأساليب البناء، ومعرفته بالنواحي الهندسية، وخصائص المواد الإنشائية، ومدى تأثير العوامل المناخية عليها، وإدراكه للخصائص الفنية الزخرفية،وتقديره لمستوى النظر ، و بعض النظر عنتلك المميزات فأن المنارة تعبر عن التواصل الحضاري، وبعضها الآخر يعد من المبتكرات المعمارية والفنية ذات دلالات حضارية ورمزية.
فظاهرة الضخامة المتناهية والارتفاع البين للمئذنة يجعلها أقدم المآذن ذات الأبدان الأسطوانية الشاخصة في العالم الإسلامي قاطبة فقد بلغ عمرها 836 سنة ، وهذه الضخامة والارتفاع تَعمّدها المعمار لكي يناسب ذلك سعة الجامع النوري حتى طغى ذلك على تسميته فسمي بـ(الجامع الكبير)، كما أن لهذه الميزة دلالة رمزية لكون المئذنة لا تمثل عنصراً معمارياً مميزاً ودالاً للمسجد وإنما تعد شاخصاً رمزياً لمدينة الموصل ، كما ان ظاهرة السلالم المزدوجة تعد من المبتكرات المعمارية المهمة في المئذنة التي لم نعهدها في المآذن قبل ذلك، وقد أثرت هذه الظاهرة ببعض المآذن المعاصرة واللاحقة كالمئذنة المظفرية في أربيل من العصر الأتابكي ومئذنة خانقاه قوصون بمصر من العصر المملوكي.
أما تشييد المئذنة بالحجارة الكلسية غير المهندمة والجص كمادة رابطة فيعود إلى قوتها الإنشائية، ولكون هذه المادة تتأثر كثيراً بالرطوبة والأمطار فقد عَمَد المعمار إلى تغليفها بمادة الآجر التي تتميز بمقاومتها لعوامل الطبيعة فترة طويلة من الزمن وخفة وزنها ومطاوعتها للعمل أكثر من المواد الأخرى.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تعرض مدينة الموصل خلال عمر المئذنة الذي ناهز الثمانية قرون إلى هزات أرضية -ولو خفيفة ، وتحليق الطائرات قرابة عقدين من الزمان وما يحدثه من تأثير سلبي على المئذنة، فضلاً عن المناخ القاري المتطرف المتمثل بالعراق بصورة عامة والموصل بصورة خاصة المؤثر بمواد البناء، والمياه الثقيلة التي تفعل فعلها في أرضية المدينة،وعلى الرغم من كل ذلك ما زالت المئذنة تقاوم عاديات الزمن والإنسان طيلة أكثر من 836 سنة لَحقَّ لنا أن نعتبر -ولو مجازاً- المعمار الذي نهض ببنائها وهو إبراهيم الموصلي مهندساً وجيولوجياً وفناناً بكل معنى الكلمة.
أصاب المئذنة في السنوات الاخيرة جملة من التصدعات فضلاً عن زيادة ميلانها مما حدا بالمؤسسة العامة للآثار والتراث إلى إناطة صيانتها قبل عقدين بشركة فونداديل الإيطالية التي عملت على استحداث ثقوب في أجزائها وإدخال قضبان حديدية بداخلها وضخها بالأسمنت ومع ذلك فإن التصدع لم يتوقف مما يستوجب أخذ ذلك بنظر الاعتبار من قبل السلطات العلمية والإدارية ذات العلاقة ولا سيما الأثرية منها لصيانتها وفق أسس علمية وتقنية قبل أن نفقد والعالم الإسلامي أثراً نفيساً وفريداً ويصبح في عالم النسيان.
اثر المتغيرات البيئية الطبيعية
على الموروث المعماري في مدينة الموصل
وتطرق الأستاذ الدكتور صلاح حميد الجنابي من قسم الجغرافية في كلية التربية جامعة الموصل الى اثر المتغيرات البيئية الطبيعية
على الموروث المعماري في مدينة الموصل ، حيث اكتفى بأكثرها تأثيراً في التدهور والمثمثل بالبيئة الجيولوجية لموضع مدينة الموصل حيث يقول : ان المتغيرات البيئية الطبيعية في مدينة الموصل تأثرت بعمليات الشد السطحي لحركة الصفائح التي كونت الحركة الالتوائية لجبال زاكروس، وهذه الظاهرة الكارستية التي تتعرض لها أرضية الموصل والتي تجيء بسبب ارتفاع مستويات المياه الجوفية في مدينة الموصل وسيادة الصخور الكلسية والجبسية في أرض المدينةوهي من الصخور السريعة الذوبان في المياه ، يضاف إلى ذلك المدى الكبير لتأثير نهر دجلة على عملية النحت والترسيب على جانبيه واثر تلك التأثيرات الجيورفولوجية على المنشآت الحضرية المجاورة او القريبة نسبيا من النهر، كما هو شأن منارة الحدباء ، كما ان للتلوث الهوائي في مدينة الموصل اثر على الموروثات من خلال المناخات المحلية التي تحدث تحصراً في أجواء مدينة الموصل مثل الانقلاب الحراري والفقاعة الحضرية وظاهرة الاحتباس الحراري والأمطار الحامضية والعواصف الغبارية وغيرها، كل هذه العوامل تجمعت لتكون سببا مباشرا لما تعاني منه منارة الحدباء من شروخ ظاهرة وتصدعات قد تؤدي بها الى الانهيار بين اللحظة والاخرى ان لم بتم تدارك امرها سريعا .
آراء تتواصل
الاراء التي اوردناها على لسان الباحثين والمعنيين في هذا الاثر الحضاري ، منارة الحدباء ، لم تكن هي كل ما قيل او طرح في مدار الحوار او على مستوى البحوث المقروءة في جلسة الندوة العلمية الني نهض بها مركز دراسات الموصل في جامعة الموصل التي واكبت الحدث التراثي والتاريخي لمدينة الموصل جنبا الى جنب مع مواكبتها للقضايا العلمية والانسانية من خلال الدراسات الاكاديمية في كلياتها او من خلال البحوت والدراسات الرصينة التي تتولاها المراكز البحثية والاستشارية على كافة الاصعدة الميدانية والنظرية .
ثمة آراء قيلت لنا عن المنارة ، وهي آراء قيمة من دون شك الااننا لم نتمكن من نشرها كلها دفعة واحدة لسعة ما حملته في افق الموضوع ، ، ومن بين من قالوا وافصحوا واقترحوا كان الباحث عبدالله امين اغا من دائرة الآثار والتراث في الموصل والباحث الفيزياوي د. بسام محمود الامام ، والباحث الجغرافي د .فواز حمو النيش، والباحث التراثي محمد توفيق الفخري ، والباحث المهندس فرحان عواد جاسم ، على امل ان يكون ثمة عودة للموضوع للاستفادة من آرائهم القيمة التي صبت جميعها في كيفية المعالجة المطلوبة لوضعية هذه المنارة الفريدة التي باتت سمة حضارية من سمات العراق ، ورمزا شاخصا شامخا من رموز حضارة الموصل التي ازدهت بأبداعات اهلها في حاضر الزمن وماضيه .
|
|