|
: الموصل في انتظار مجزرة جديدة
انتقاما من مقاومة أهلها
هارون محمد
القدس العربي 01/02/2008
كاتب وصحافي عراقي مقيم في لندن
في أيام الثامن والتاسع والعاشر من آذار (مارس)
1959، تعرضت مدينة أم الربيعين، الموصل
الباسلة، الي اجتياح وحشي قادته عصابات
تابعة الي الحزبين الشيوعي وشقيقه البارتي
الكردي، ضد أحياء وابناء المدينة، اثر فشل
حركة انقلابية قومية بقيادة العقيد عبد
الوهاب الشواف رحمه الله، عاثت قتلا
وتنكيلا في المدينة، وارتكبت جرائم
وانتهاكات تفوق الوصف، كان أبشعها تلك التي
اقترفتها ميليشيات كردية مسلحة نزلت علي
الموصل من جبال دهوك وبامرني وسرسنك وزاخو
أرسلها المقبور مُلا مصطفي بارزاني، مدفوعة
بالانتقام من كل عربي بلا استثناء، وكانت
مجزرة سجلها التاريخ كوصمة عار في جباه
الشيوعيين والبارزانيين الاكراد، والفئة
الاخيرة لها سجل أسود في معاداة العراق
وعروبة العراق، وخدمة أعدائه الامريكيين
والصهاينة والفرس البهلويين.
ولان الموصل حاضرة عربية واسلامية، ومدينة
مشرعة الابواب والمنافذ امام الجميع، وتوصل
العراق ببلاد الشام وتركيا، فانها تعرضت
علي امتداد تاريخها الطويل الي هجمات
عنصرية وشعوبية بهدف اختراقها ومسح هويتها
القومية، وتعرضت ايضا الي حصارات اجنبية
جائرة استهدفت احتلالها وكسر انوف أهلها
الذين يوصفون بالاباء والتشبث الشديد
بالعروبة والاسلام والحرص الوطني، وهي
مكروهة من الاكراد الانفصاليين والشيعة
الطائفيين والفيدراليين، لانها انتجت
الالاف من الضباط والقادة العسكريين
الشجعان واللامعين الذين بنوا الجيش
العراقي ودافعوا ببسالة عن ارض وسيادة
وحدود العراق، ولا تستغربوا اذا عرفتم ان
واحدة من دوافع محاكمة الفريق سلطان هاشم
الطائي واصدار حكم الاعدام الظالم عليه، هي
انه (مصلاوي) أي موصلي الولادة والنشأة
والوعي، وهذه المواصفات وحدها تشكل تهما في
أجندة دعاة التقسيم وانصار ايران، رغم ان
سيرة الرجل في مسلك الجندية وعلي مدي اربعين
سنة متصلة، كانت ثرية بالعطاء والتضحيات
ومليئة بمواقف نبيلة واخلاق حميدة وتواضع
جم، وقبل عام عندما كان يحاكم الفريق سلطان
امام المحكمة الصبيانية ببغداد، هاتفني
عراقي يعيش في بريطانيا منذ خمسة عشر عاما،
واعطاني اسمه وعنوانه، وقال انه مستعد
للشهادة امام المحكمة دفاعا عن آمره السابق
الذي خدم تحت امرته سبعة اعوام بضمنها ثلاثة
اعوام في حركات الشمال وحرب ايران ولديه
حكايات وشهادات حية وموثقة عن مروءة سلطان
وشهامته مع جنوده دون تمييز او محاباة،
مضيفا ان شهادته امام المحكمة ستقتله هو
يعرف ذلك مسبقا، ولكنه رغم ذلك أعلن
استعداده لمواجهة الموت في سبيل انصاف
الفريق سلطان، علما بان هذا العراقي الجليل
هو من ابناء الكوفة ومن اسرة شيعية عربية
معروفة بامتداداتها في النجف والديوانية
والناصرية أدي الخدمة العسكرية عشر سنوات،
اكثر من ثلثيها في وحدات يقودها سلطان.
ان الانباء الاخيرة التي انتشرت في الموصل
تفيد باستعدادات وتحضيرات واسعة وكبيرة
للقيام بحملة عسكرية ضد ابناء الموصل تحت
ستار مهاجمة القاعدة، وهي حجة ساقطة تلجأ
اليها قوات الاحتلال وأجهزة الحكومة
الطائفية والعنصرية في ضرب ومهاجمة
المحافظات والمناطق السنية العربية،
والانباء تفيد ايضا عن استقدام اكثر من
عشرين ألف بيشميركة، عبأوا منذ شهور ضد كل
شيء عربي، سواء كان شخصا او بلدة او بناية او
شارعا، وحشدوا في معسكر الغزلاني للانطلاق
منه عند بدء العمليات العسكرية علي المدينة،
وايضا احتلال حقول كبريت المشراق التابعة
لها والقريبة منها، وهي أضخم مناجم كبريت في
العالم، عقوبة للموصل التي لم تمض بها سنوات
الاحتلال البغيض، واهلها الذين رفضوا
ويرفضون باصرار (تكريد) محافظتهم العربية
الاصيلة، وهناك شهود عيان معروفون بالاسم
والمهنة والعنوان يؤكدون ان حادث حي
الزنجيلي في الثالث والعشرين من الشهر
الحالي الذي راح ضحيته اكثر من تسعين انسانا
اكتشفت جثثهم وجرح مائتين وسبعين آخرين
سجلت اسماؤهم في المستشفيات، وهدم مئة
وعشرة منازل بالكامل والاضرار بمئتين
وثلاثين بيتا حسب بيانات جمعية الهلال
الاحمر في المدينة، كانت وراءها ايد خفية
اسهمت في قتل واصابة المئات من الموصليين عن
سابق قصد وتعمد مكشوف، والاتهامات تتركز
علي ضابط برتبة عميد يرأس لواء من قوات
البيش ميركة وهو من حزب مسعود بارزاني واسمه
متداول في اوساط المدينة، والادلة متوفرة
عن ضلوعه بالحادث، وبعضها نشر في مواقع
الكترونية تعمل وتنشط في الموصل نفسها، بعد
ان فرضت السلطات الحكومية تعتيما علي اسباب
الحادث ومنعت وسائل الاعلام من قول الحقائق
او اللقاء مع سكان الحي وشهود عيان أحياء،
عايشوا الجريمة من فصلها الاول في كيفية
تفجير قبو في مبني بالحي دون اشعار وتحذير
لسكانه كما يفترض، وانتهاء بالفصل الاخير
من
الفاجعة عندما تباطأت الاجهزة الحكومية
في انقاذ الضحايا من تحت الانقاض.
ان جريمة (الزنجيلي) عمل مدبر ومرسوم، القصد
منه معاقبة مواطنين ابرياء وآمنين، تتهمهم
القيادات العسكرية والامنية الحكومية
واغلبهم من الاكراد الحزبيين، بالتعاون مع (القاعدة)
رغم ان اجهزة الاستخبارات الامريكية
والرسمية تؤكد في بياناتها واحصاءاتها ان (الارهابيين)
وتعني بهم فصائل المقاومة الناشطة في
الموصل عراقية، فيها العربي والكردي
والتركماني والأزيدي والشبك، وثمة هجمة
قائمة الان علي نائب في البرلمان من الشبك
لانه ادلي بتصريحات اكد فيها ان الشبك طائفة
متميزة لها مقوماتها الثقافية واللغوية
والبيئية الخاصة بها ولا علاقة لها
بالاقلية الكردية في شمال العراق، وواضح ان
من قام بهــذه الجريمة كان يرمي الي احداث
صدمة في نفوس الموصليين من كثرة الضحايا
والمصابين منهم ، وجرهم الي مواجهات مسلحة
تكون مقدمة للحملة العسكرية التي تخطط لها
قوات الاحتلال والاحزاب الكردية المتعاونة
معها والوحدات الحكومية لاجتياح الموصل
والتنكيل بأهلها.
وعندما يخرج شخص من جماعة احمد الجلبي في
الانبار، ويدلي بتصريحات لاذاعة امريكية
رسمية يعلن فيها ان ليبيا وراء حادث
تفجير حي الزنجيلي في الموصل، ويخترع
منظمة اسماها بجيش الفاتح في العراق، قال ان
المهندس سيف الاسلام القذافي يقودها، فان
ذلك يعطي دلالات لا تقبل الشك، بان الجهات
التي نفذت جريمة الزنجيلي تسعي لابعاد
الشبهات عنها ورميها علي جهات عربية، في
محاولة بائسة ويائسة لتوجيه التهمة الي
ليبيا، الدولة العربية الوحيدة التي ما
زالت ترفض التعاطي مع عملاء الاحتلال في
العراق، ورفضت في السنوات الاخيرة توسلات
رؤساء ووزراء ومسؤولين نصبهم الاحتلال
لزيارة ليبيا واللقاء مع قادتها.
الموصل معرضة الي هجمة شرسة لقتل المزيد من
ابنائها، تستعد لها قوات الاحتلال
وميليشيات البيش ميركة الكردية والاجهزة
الحكومية الحاقدة علي الموصل قلعة العروبة
والمقاومة، ونعرف سلفا ان الهجمة ستؤدي الي
عشرات او مئات او الاف الشهداء والضحايا،
وتخريب البيوت واليتامي والارامل، ولكن قدر
الموصل انها ستبقي صامدة وأبية ومنتصرة علي
اعدائها ومن يتربصون بها، وتاريخها يشهد ان
كل غاز او جيش حام علي تخومها او عمل علي
محاصرتها، اصابته الهزيمة في نهاية الامر
واحيانا بدون قتال، لانها مدينة مباركة
بوعي ووطنية وعروبة شعبها المؤمن بالقيم
الاسلامية السمحاء والطيبة الانسانية،
وانفتاحه علي كل الملل والنحل، والاقوام
الوافدة الي الموصل، والاقليات التي رضيت
بالعيش فيها، وستبقي ام الربيعين عصية كما
كانت دائما علي كـــل من يحاول الاساءة
اليها، وتذكروا ان الاحتلال الامريكي بما
يملـــكه من قــوة وبطش لم يقدر علي
احتلالها بالكامل رغم سنوات الاحتلال الخمس،
وقــــواته لا تستطيع دخـــول أحياء ومناطق
عدة لحـــد الآن، وتنسحب مـــع محافظها
ومسؤولي الاحزاب الكردية منها قبل
الغـــروب يوميا الي ضواحيها البعيدة، فزعا
من مقاومة أهلها النشامي.
|