|
سودٌ أيامنا يا - قره سراي -
قصر – قره سراي – التاريخي الموجود في مدينة الموصل له قصة جميلة مع أهلها نبدأها بـ - قره سراي – وهي كلمة تركية تعني السراي الأسود أو القصر الأسود وهي بقايا قصر السلطان بدر الدين لؤلؤ حيث بقي من هذا القصر إيوانان متجاوران يزين احدهما كتابة بالجص كتبت بأحرف كبيرة اسم السلطان لؤلؤ وألقابه وبيت من الشعر كان منقوشا بالجص على واجهة الإيوان الشمالي ضاعت أحرفه منذ أعوام بسبب الإهمال الذي تعرض له القصر في الوقت الحاضر:
لو أَنصَفـوا أُنصِفـوا ولكنهم بغـوا
فجار عليهم الزمان بالويلات والمحن
وتخبرنا كتب التاريخ بأن من شيد القصر هو عماد الدين الزنكي واهتم به وأضاف إليه مساحات واسعة ليكون دارا للإمارة وأسماه ( آق سراي ) أي ( القصر الأبيض ) وسبب تسميته بالأبيض لبنائه بالحجر والجص الموصلي الأبيض الذي جعل لونه الأبيض يلمع في الشمس من مسافات بعيدة وكان أمام القصر مرج أخضر ثم يأتي بعده مباشرة نهر دجلة ولذلك كان المنظر جميلا ولا زال.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما سبب تسميته بقره سراي إذن؟
الجواب: بعد خيانة بدر الدين لؤلؤ للعباسيين ومساعدته لهولاكو في احتلال بغداد وإرساله جيشا بقيادة ابنه للقتال معهم ضد ( المستعصم بالله ) سنة 656 هـ نَقِم أهل الموصل عليه وعلى أولاده وكانوا يتحينون الفرص للانتقام منه وسبحان الله بعد مماته وتولي أبنه حكم الموصل تعرض للخيانة على يد وزيره ( شمس الدين محمد بن يونس البعشيقي ) سنة 660 هـ أثناء ثورة الموصل على المغول حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن الموصليون ثاروا على المغول بعد هزيمتهم في معركة عين جالوت ودخلوا في معركة معهم فحاصر المغول الموصل لأكثر من عام وأثناء ثورتهم هذه أحرقوا قصر – قره سراي – لأنهم اعتبروه رمزا للخائن الذي باع بغداد بثمن بخس علما أنهم يقاتلون مع أبنه الملك الصالح إسماعيل ضد المغول والتهمت النيران القصر لأيام وغطى الدخان المكان وتحول القصر من أبيض اللون إلى أسود.
وعندما سقطت الموصل بسبب خيانة البعشيقي لم يجد المغول قصراً فخماً باستقبالهم بل بقايا قصر محروق يحكي خيانة صاحبه لهم. وأصر الموصليون منذ ذاك اليوم على إطلاق اسم - قره سراي - عليه رغم الإعمار الذي قام به السلاطين بعد ذلك ولكن رغبة أهل الموصل في جعله عبرة للخونة أبقوا على هذا الاسم وبقي عالقا في أذهاننا حتى الآن, والعجيب في الأمر أن العراقيين عامة والموصليين خاصة يحبون لون السواد وهذا لغز لا يفهم فقسم يقول إن العراقيين يحبون اللون الأسود لأنه يذكرهم بالدولة العباسية التي كان شعارها الرايات السود والتي أحبوها وتخليدا لها تعلقوا به علما أن اللون الأسود يرمز للحزن والفشل فلا عجب أن نسمع عراقيا يصرخ بوجه احدهم غاضبا ( سوّد الله يومك ) أو نسمع امرأة تهمس مع نفسها وتقول ( سوده علية ) أو نسمع احدهم يغازل حبيبته قائلا ( شعرك وعينيك وحظي سواء, سواد في سواد ) أو يقول لإحداهن ترتدي السواد ( من لبس السواد سبى العباد ) وكم شاهدنا الملايين من العراقيين يرتدون السواد في شهر محرم حزنا على الإمام الحسين ( رض ).
والأنكى من ذلك أن العراقيين جميعهم وأنا من ضمنهم نهز رؤوسنا طربا عند سماعنا أغنية حزينة بكائية ولا نتأثر بأغنية مملوءة بالحب والأمل فما السبب ؟
الحزن يولد معنا ويعيش معنا ويموت معنا وندفنه معنا !!! هذا حزن كربلائي يسكننا منذ مئات السنين فنحن حزينون بالطبع, الظاهر أننا ( العراقيون ) فهمنا تسمية بلادنا بأرض السواد خطأ !!!!! فلقد فهمنا معنى التسمية لونا وليس مضمونا !!!!!
الحزن والسواد رديف للعراقي والموصلي هذه الأيام فما أن يخرج من حزن حتى يدخل بآخر, قرأت قصيدة للخليفة العباسي ( الراضي بالله ) يصف فيها الموصل ويؤكد ما أقوله.
سميـت الموصـل المواصـلة الحـز
ن لمـا جـاءها على خـبر
وهذا يناقض قول الشاعر الموصلي السري الرفاء الذي قال:
سقى ربى الموصل الحدباء من بلــد
جوداً يحـكي جـود أهـلـيها
أهل الموصل منذ القدم شجعان كرماء طيبون مسالمون لا يباتون على ضيم فما بالهم اليوم؟ ( سكارى وما هم بسكارى ) فالموصل تغلق أبوابها بعد صلاة المغرب ويلف السكون المشوب بالحذر شوارعها, حتى منطقة الغابات السياحية هجرها روادها ما عدا أيام الجمع وقبل غياب الشمس نتسابق بالمناكب راجعين إلى بيوتنا !!! أهو غضب الله علينا ؟ أم الخوف الذي سكن النفوس وسيطر عليها؟
حبيبتي الموصل بأي أسم من أسمائك أناديك ( الخضراء, الفيحاء, أم الربيعين, البيضاء, الحدباء, أم الرماح ) قررت تسميتك بالموصل السوداء هجرك أبناؤك وسكنوا دول الجوار والأسباب كثيرة منها قلة الخدمات من ماء وكهرباء وشبابك يعانون البطالة ومن الاعتقال المفاجئ لقوات الاحتلال فلا زال المئات منهم معتقلين دون معرفة السبب وأهم أسباب ترك الموصل هو فقدان الأمان فلقد أصبح كل موصلي مشروع للقتل والاختطاف والتهديد والابتزاز!!!!!
هل يعقل أن يكون هذا مصير بلدة النبي يونس (ع)؟
أهذا مصير بلد القادة والعلماء والله أن هذا لم يأت بالمصادفة أو عن فراغ انه مخطط كبير وكبير جدا من مخابرات دول إقليمية لتحطيم ثاني مدينة عريقة في العراق لمواقف أبنائها الشريفة عبر التاريخ.
سألني صديق عربي عن الموصل عندما كنت في الأردن ضحكت وأجبته مقلدا الشاعر اليمني البر دوني عندما سألوه عن صنعاء فقلت :
ماذا أخبرك عن الحدباء ياأخي!
مليحة عاشقاها القتل والرعب
فأجابني قائلا يااخي كم أنت متشائما؟قلت :لست بمتشائم ولكن هذه الحقيقة المرة لقد اجبر على ترك الموصل المئات من خيرة أبنائها بسبب التهديد والقتل والخطف والابتزاز من أطباء وعلماء وأساتذة وتجار وبقينا نعلل النفس بالآمل والآمل فقط .
لقد حاول البعض من أهالي الموصل تغير هذا الواقع ولكنهم اصطدموا بواقع غريب عنهم فأحسوا بأنهم يغردون خارج السرب ويصفقون لوحدهم فأصيبوا بالإحباط فسكتوا أو هاجروا .قرأت بعض ما كتبه المرحوم محمد طاهر العمري (مقدرات العراق السياسية ج2) يصف فيها بعض من أهالي الموصل قائلاً :
إن هناك زمرة أخرى من أهل الموصل يمكن تسميتها (زمرة المساكين ) وهي التي تتألف من الأشخاص الذين لا نفع لهم ولا ضرر منهم للبلاد فديدنهم أن يقولوا ( يابا أنا أش علي!!!)
'أنا رجل كاسب ومستور أروح وأجي بدربي ولا أتدخل بأي شيء فكل من يأخذ أمي أسميه عمي '.
وهذه المصيبة الكبرى وهنا تسكب العبرات وهذا حالنا اليوم !!!!!!!!!!!!!!
متى يستيقظ الموصليون من غفلتهم وغفوتهم وينتبهون لما يخطط لهم من مؤامرات ودسائس ؟ متى تتوحد الصفوف والكلمات للدفاع عن الموصل ؟ ومتى تعاد للموصل هيبتها ؟ ونطرد الدخلاء منها والأجانب عنها ؟
متى يذهب الموصليون إلى الغابات للتنزه دون خوف ومتى نستحم في مياه عين كبريت المعدنية ؟ ومتى نركب اليخت النهري ونمخر في نهر دجلة ونشاهد الموصل القديمة والجسر العتيق وصولا إلى شط الحصى والقليعات وقره سراي وباش طابيا ويحيى أبو القاسم دون خوف من طلقة قناص أمريكي أو قصف من طائرة الأباشي ؟ ومتى نتنزه في شوارع الموصل مطمئنين على أرواحنا وأموالنا وأولادنا من عصابات الخطف والتسليب والإغتيال ؟ ومتى يتذكر الموصليون بأنهم أحفاد الرجال الذين حرقوا ( آق سراي ) وهزموا نادر شاه وحطموا حصاره للموصل عام 1743 ميلادية بأرواحهم وأموالهم من قلعة باش طابيا .
فيا أهل الموصل .... يا أهلي الطيبين يا أهل الثقافة والعلم ويا عروبيون يا أهل السيف والقلم قوموا كرجل واحد بوجه المؤامرة فأنتم والله ما خلقتم للسكوت والخنوع ولكن خلقتم للسيف والسرج ألستم من قال فيكم إبن الكواء (الموصل قلادة أمة فيها من كل خرزة ) وقال ابن خلكان (أهل الموصل أشجع فرسان واقتل للأقران ) فانهضوا أهل مدينتي ولنبدأ من جديد ونسحق كل غازي وخائن ومحتل كائنا من كان؟ وليكن شعارنا قول صفي الدين الحلي :
بيض صنائعنا سود وقائعنا خضر مرابعنا حمر مواضينا
ولنزيل لون السواد عن أيامنا ونقول للتاريخ وشواهده : بيض أيامنا يا قره سراي
وقد نكون الشرارة الأولى التي تغير لون بيتهم الأبيض إلى البيت الأسود ونكون خير خلف لخير سلف .
|
|