| hd |
الشعرية في النصوص السيروية زرياب, إسحاق الموصلي وأبيه إبراهيم الموصلي شوكت الربيعي |
||||
|
أبدع زرياب في تنسيق الألحان، حتى توهّم أن الجن هي التي تعلّمه؛ ولا عجب فقد ورث هذا الشعور من أستاذه إسحاق الموصلي الذي ورثه عن أبيه إبراهيم الموصلي والموسيقار الملا عثمان الموصلي |
|||||
|
شوكت الربيعي Sunday, 17 August 2008 - المثقف كانت في تفاصيل حياة (نانسي) الشخصية، مرحلة بالغة الأهمية. ففي تجربتها الروائية، حدث تحول على مستوى حركة الدراما في الشكل وليس المضمون وحسب، لكون أكثر أعمالها جرأة ورغبة في التعارض وتنقية لشوائب الواقع اليومي المعاش ضمن المجتمع وقواعده وثوابته التابوية الموروثة، الكائنة فيها والدائبة على تغييرها. لكنها لم تحاول أن توحي بهدم المحرمات بقدر ما طالبت بتتبسيط دور الناس في عملية التغيير ودراسة وفهم العلوم القائمة واحترام تطبيقاتها الميدانية، ذلك لأن نقاد نانسي يرون في محاولاتها الفنية والادبية ركائز ومكونات أساسية في حياتها. وخاصة نضوج شخصيات الرواية الثانوية بعد أحداث أعقبت موت خطيبها وليم ببضعة أيام. فما عادت بعد ذلك طعما للصياد بقدر ما أصبح الصياد طعما لها في غابة الابداع،. فتحول هي إلى رهينة أعماقها وما تفيض بها من مخاوف وأحزان. ولكنها ظلت تقاوم ضعفها في جوهر أنشطتها وفعالياتها الفنية والادبية. لقد أدخلت في ثنيات كتاباتها ما كانت قد رأته وتأثرت به من مشاهدات خاصة ضمن امسيات شهرية كنت أرافقها إليها في لقاءات فنانين وكتاب عرب في آخر عطلة اسبوعية من نهاية كل شهر. كما كانت أم كلثوم (*) تفعل ذلك في حفلاتها الغنائية الموسمية. ولكن ابطالها جماعيون ولهم مواقف وأحداث وقصص، هم حشود من أحياء لندن ومن وجوديي سوهو ومن رواد المسرح والمعارض الفنية ومن ركاب المترو ومرتادي الهيد بارك والأندية وساحات الألعاب الرياضية. ومدمني نوادي التلفاز خاصة بعد أن ظهر الحاكوم «الريموت» كشيء غريب في فيلم «بيينغ ذير» (كونك هناك) عندما حاول مزارع استعمال حاكوم «ريموت» لوقف لص سرق ممتلكاته وهرب. وفي فترة لاحقة، ظهر الحاكوم «الريموت» كموضوع نقاش في فيلم «كليك»، عندما اشترى الممثل ادام ساندلر حاكوما «ريموت» يسيطر على زوجته (عندما تختلف معه)، وأولاده (عندما لا يسمعون كلامه)، والناس في الشارع (عندما يضايقونه)، والسيارت (عندما تعرقل المرور). ارتاح الممثل لذلك كثيرا، لكنه صار شبه مجنون عندما استعمل الحاكوم «الريموت» للسيطرة على الوقت. ضغط على زر «التقديم اللسريع » (إلى الامام سريعا) لرؤية السنة القادمة، وشاهد رئيسه في المكتب يمارس الجنس مع سكرتيرته. ثم ضغط على الزر لرؤية ما بعد خمس سنوات، وشاهد زوجته طلقته، وتزوجت مدرب السباحة الذي كان يدرب اطفالهم. ثم ضغط على الزر لرؤية ما بعد عشر سنوات، وشاهد نفسه في مستشفى للعلاج من مرض سرطان يهدد حياته. وكاد ان يصاب بالجنون بسبب الحاكوم. كان لابد أن يظهر نور المستقبل من ذلك المناخ التقني الجديد والعلمي والبعد الروحي والقيمة المكانية وما ينجم عنها من مشاهد الحكايات المروية. لكل مكتشف ومخترع وعالم وشاعر وفنان وكاتب ومهندس ومعمار.. يظهر للعالم بمكتشفاته المدهشة التي تغير الكثير من مفاهيم وقيم الحاضر باتجاه المستقبل. كان البعض منهم يحضر لقاءتنا الشهرية. ليشاركنا في سرد قصة من تجربته أو من تجارب ومعاناة الناس في زمان ومكان حضورهم، قصص تتحدث عن قيم ومفاهيم البطولة التي تحقق العدالة وعن محبي السلام الذي يرفضون الحروب والدمار والمعناة. ينشدون قصائد يغنيها شعراء واقاصيص يرويها رواة المقاهي والناس حولهم يسنصتون بعمق، لأنها قصص تتحدث عن ماضيهم وتتنبأ بأحلامهم ومستقبلهم.. وتمثل لهم القيم العليا للعدالة والبطولة حتى غدت من رموز ملحمتهم. فتكون حافزا للتمرد والثورة حين يقارنون ذلك بمفاصل حياتهم اليومية. وبذلك ترسم نانسي لوحة لثقافتها الإنجليزية التي يدركها الناس في بلادها ضمن تحولات مجتمعهم عبر مراحل تاريخ أوروبا بعد عصر النهضة. ولذلك سنجد كثيرا من خصائص ومكونات الشخصية الإنجليزية شاخصة ونافرة في نصوصها الروائية. بسبب ضغط الشعور بالعصيان على واقع طبقتها الاجتماعية الارستقراطية، وارتأت العيش مع المستلبين الفقراء من امثالنا حيث نعيش هنا بسبب الخطأ الأنساني القديم في التسلط والنبذ والتهميش والاقصاء والتدمير والموت. لهذا فإن نانسي تعاني، بسبب إيمانها بهذه الرؤية، من مواجهة الاختيارات الصعبة ومن شعور بواقع مرير ومركب ينز دما أسود من جرح تاريخي عميق. سببته صراعات الإنسان مع أخيه الإنسان بلغة الحرب والخراب ودمار البشرية. كان أبوها وأخوها قد قتلا في الحرب وخطيبها مات في بعض الطريق ومع ذلك فالفارق بين أحداث وتفاصيل الماضي القريب، وبين تطلعاتها المستقبلية كبير. وإيمانها بذلك مطلق، بينما والدتها كانت تحمل إرادة قوية وضمير ا منجرحا، وبلا قدرة على النسيان وبناء علاقات جديدة مع ابنتها وبيئتها المستجدة بعد الحرب الثانية. الي فقدت بسببها زوجها وولدها البكر وأخاها وابن عمها.، وهذا ما انعكس على نوعية علاقاتها الاجتماعية والعائلية. وعلى خيارات ابنتها نانسي خارج البيت الكبير في مواجهة الاختيارات الصعبة: العمل أو الزواج. وتضغط باتجاه الغاء دور الكاتبة والرسامة والصحفية داخل روحها. وحتى معنى كلمة المثقف كانت تثيرها. وتجادلها فيها وتجدد تساؤلها عن جدوى أصحاب هذا التراث وهذه الثقافة التي ربما تعني في جانب منها (الفخر الكاذب). عاشت (نانسي) لفترات قصيرة لاحقة تفكر بتفسير امها وتبحث عن جدوى الفخر الكاذب لانتمائها الطبقي العرقي في تواريخ شعوب إيرلندا والنمسا وروما وباريس، وبرلين ودول أوروبا الأخرى،. قبل أن تستقر على نتيجة جوهرية قادتها إلى ضرورة الدفاع عن قيمة وحرية الإنسان وتنوع حضارته. فغدت مقالاتها وكتبها ولوحاتها تدور حول مستقبل الإنسان وضرورة مراقبة تحركات السلطات الفاسدة في العالم الرأسمالي واستجواب فكر وعقائد العصاب، المتداخلة مع مفهوم حرية الفرد وخصوصيته.. وهذ ما وضعها امام إشكالية نزوعها الطبقي المستقبلي. وموقفها من الدين: بسبب تصويرها الضاري لأخطاء الكنيسة. التي تسيء استخدام كلمة (الجيد) تماما مثل الساسة الذين يسيؤون استخدام كلمة (الحرية والديمقراطية).وكانت ترفض الافكار العقائدية السياسية الجاهزة، واللاهوتية والعصابية من أجل أن تنبع كتاباتهم من مكان في أعماق الفكر الخالص. الكتابة الجيدة تعني التفكير الشجاع. وهو تغييري بطبيعته ويعيد تشكيل الرؤى والحقائق لصالح خير البشرية.. وكانت حبكات رواياتها تتفاوت من حيث الزمان والمكان، من التاريخي كما فعل شكسبير مرورا بأجواء فلوبير وخلوات الليدي تشاترلي في القرية الفرنسية الصغيرة في ثمانينيات القرن التاسع عشر وانتهاء بأحداث وتفاصيل حياتها الشخصية بموت زوجها وليم في اواخر خمسينيات القرن العشرين وقد جمعت في أسلوبها بين محبة جويس وجراهام جرين(*) ووفرجينيا وولف وشطحات بودلير ورزانة ديكنز وجموح ادجار ألن بو (*)الذي ترجمت معظم أعماله للآنجليزية. كذلك تضمنت بعض محبتها لحرية التوجه السريالي ونهوض حركتها الشعرية والفنية بين اندريه بريتون(*) وسلفادور دالي(*). وسرعان ما تنعطف مجددا إلى السرد المشحون بالواقعي السحري، مستخدمة وسيلة التفجير اللغوي لدى بودلير (*) ومالارميه(*) وتزارا(*) وبريتون (*)أو بأسلوب التحريض الجنسي المثير والحسّي المتمادي في بدائيته. وما كانت تلك الصياغة المركبة التي تماشت وأسلوب الكولاج الذي شاع بين الفنانين والشعراء والادباء في فترة ما بعد الحرب الثانية وما نجم عنه من ظهور المؤثرات المبكرة والأكثر إلحاحا على مخيّلة المبدعين الشباب. كان الحافز وراء كتابة (قصة حياة بلدة صغيرة) هو تضخم ذهان حاكمها (بلير) الحاد ونزوعه للسيطرة والقمع لدرجة جعل الناس يتمنون العيش في أمكنة متخيلة، تولد فيها شخصيات روا ئية مبتكرة متمثلة بطبقة عاملة ومزارعين ليسوا من هذه الأرض ولا يحاصرون بتسييس حياتهم وهم من الأغلبية الصامتة من الفقراء هناك. وكانوا يختنقون في حال مدقع ومعيشة غاية في التردي، ما انعكس ذلك على الأطفال والعوائل بأكملها، وقد بلغ تعداد سكان البلدة بعد إحصاء عام 1947م، ثلاثين عائلة. وكانت الكنيسة مسيطرة على الحياة السياسية ما دفع بأغلبية السكان مضطرين لانتخاب (بلير). المتطرف بزي حزب العمال، إلا أن القرية نفسها كانت غامضة ومتجذرة تجذرا عميقا في ماض تاريخي معقد. ولكنهم كانوا يرون في لجوئهم إلى مرارة انتخاب (بلير) هو وجود المرارة الاشد قتلا والأنكى حالا، التي عانوا منها في سنوات الحرب المدمرة، والتي لبست اليوم ثياب حمامة السلام وحملت مشاعل الحرية ورفعت لافتة الديمقراطية في حزب الاحرار والحزب الشيوعي، فنرى الناس في البلدة من حولهم قد شاهدو خرابا عظيما. فبماذا يفيدهم الامتناع عن انتخاب النازية أو الفاشية أو الشيوعية أو الفاتيكانية أو الوجودية والماورائية، ففي كل سلطة منها قوة وسطوة عظمى متمثلة في (ديكتاتورية نائمة الآن.) كانت نانسي قد فاجأتني بسؤال مدهش كنت أنتظره منذ زمن طويل، تسألني عما إذا كنت ارغب بزيارة بيتهم والتعرف إلى أمها وبعض صديقاتها المقربات جدا إليها ومن بينهن أرابيلا تشرشل حفيدة رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل ومؤسسة مهرجان غلاستونبيري الشهير في بريطانيا. وتتحدّر سبنسر- تشرشل من واحدة من أعرق العائلات البريطانية وهي من سلالة جون تشرشل أول دوق لمقاطعة مارلبورو وأحد أشهر جنرالات بريطانيا، غير أن حياتها اتخذت مساراً مختلفاً عن تاريخ عائلتها وانخرطت في تربية الخراف في مقاطعة ويلز البريطانية إلى جانب زواجها من لاعب الخفة المعروف أيان "هاغيس" ماكلويد. وإلى جانب مهرجان غلاستونبيري، ساهمت تشرشل في تأسيس جمعية "أطفال العالم" الخيرية.وقال مدير مهرجان غلاستونبيري مايكل إيفيس إن تشرشل كانت "مخلصة" للمهرجان.و "إن حيويتها وطاقتها وحسّها الأخلاقي الرفيع والمسؤولية الاجتماعية التي كانت تتمتع بها منحوها مكانة في تاريخ المهرجان لا يستطيع أن يجاريها فيها أحد". وأبدت استعدادها لمشاهدة لوحاتي. ويبدو أنها حدثتها عن دعمي لها في كتابة رسالة الدكتوراه عن حضارة وادي الرافدين. فترددت بالموافقة. ولكنها وضعت يدها على كفي لأول مرة وراقبت عينيها تلحان على الموافقة. وقالت أن أمها تريد مناقشتي في موضوع الموسيقا الشرقية العربية والعراقية لأنها معنية بتاريخ الموسيقا وقرأت الكثير من الكتب عن موسيقا الاندلس ونهوض الثقافة عامة والترجمة خاصة. ولديها انطباعات جيدة عنها. كنت لهذا السبب أيضا، قد وافقت على زيارة أمها. وكانت ثقافتها واسعة، على العكس من تصوراتي المسبقة عنها، فهي قد تعرفت على الفن الموسيقي في أمريكا أيام شبابها ودراستها الموسيقا الكلاسيكية. وعندما طلبت مني الحديث عن البدايات. خطر ببالي التاريخ الحديث وليس الموسيقا في وادي الرافدين أو في زمن الفراعنة أو في الشام وفارس والهند والصين والشرق القديم. ولكنه كانت تقصد الموسيقا في الوقت الراهن. قالت إن ما يعجبني في شخصيات فنانيكم العرب والمسلمين الرواد في الشرق، هو الوعي العام والثقافة والمعرفة التي تسهم لديهم بنجاح تجاربهم الابداعية. فنقرا عنهم علمهم بالنجوم، وبقسمة الأقاليم السبعة، واختلاف طبائعها وأهوائها، وتشعّب بحارها، وتصنيف بلادها وسكّانها، مع ما سنح لهم فرص العمر. فتداخلت في حديثها الصحيح الذي كانت تلقيه علينا بلغة متعالية. وبدأت أضرب لها مثلا تجربة المعلم الثاني الفارابي والموسيقار (زرياب) وكلاهما (واسع الثقافة، وعالم في فكّ كتاب الموسيقا)، كان، يحفظ عشرة آلاف مقطوعة من الأغاني بألحانها، وهذا العدد من الألحان غاية ما ذكره بطليموس واضع هذه العلوم ومؤلفها. وقد جمع إلى خصاله هذه (الاشتراك في كثير من ضروب الظرف وفنون الأدب، ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة، وطيب المحادثة، ومهارة الخدمة الملوكية، ما لم يُجِده أحد من أهل صناعته، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوباً إليه معلوماً به). أضاف (زرياب) إلى أوتار (عوده) وتراً متوسطاً، خامساً اختراعاً منه، إذ لم يزل العودُ بأربعة أوتار على الصنعة القديمة، فاكتسب به عوده ألطَفَ معنى وأكمل فائدة. وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، بدلاً من مرهف الخشب، فأبرع في ذلك للطف قشر الريشة ونقائه وخفّته على الأصابع، وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمته إيّاه. و(أبدع زرياب في تنسيق الألحان، حتى توهّم أن الجن هي التي تعلّمه؛ ولا عجب فقد ورث هذا الشعور من أستاذه إسحاق الموصلي الذي ورثه عن أبيه إبراهيم الموصلي.)، وكانت له طريقة فريدة مع المبتدئين من تلاميذه؛ فيبدأ بالنشيد أول شدوه بأي نقر كان، ويأتي إثره بالبسيط، ويختم بالمحركات والإهزاج تبعاً لما يرسمه زرياب له. وكان إذا أراد أن يعلّم تلميذاً أمره بالقعود على وسادة مدوّرة، فإن كان ليّن الصوت أمره أن يشد على بطنه عمامة؛ لأن ذلك يقوي الصوت، فلا يجد متسعاً في الجوف عند الخروج من الفم. فإن كان لا يقدر على أن يفتح فاه، أو كانت عادته أن يضمّ أسنانه عند النطق، راضه بأن يدخل في فيه قطعة خشب عرضها ثلاث أصابع، يُبيتها في فمه ليالي حتى ينفرج فكاه. وإذا أراد أن يختبر المطبوع الصوت من غير المطبوع أمره أن يصيح بأقوى صوته: يا حجّام، أو يصيح: آه، ويمد صوته، فإن سمع صوته صافياً ندياً قوياً، لا يعتريه غُنة ولا حُبسة [ثقل في اللسان] ولا ضيق نفس، أشار بتعليمه، وإن وجده غير ذلك أبعده. ويرجع الفضل إلى زرياب في تعليم الجواري الغناء في عصره، وكانت له عدد من الجواري أحسن تأديبهن، وعلّمهن الغناء والعزف على العود، ومن هؤلاء (غِزلان وهُنَيدة)، ومنهن (منفعة) التي اشتهرت بفرط جمالها، وقد أعجب بها عبد الرحمن، فأهداها زرياب إليه، فحظيت عنده. وصفوة القول أن زرياب لم ينقل إلى المجتمع الأندلسي فنون الموسيقا وضروب الغناء فقط، وإنما نقل إليه أوجه الحياة الحضارية التي كان المشارقة ينعمون به، فكان بذلك من أهم عوامل التواصل بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه في ذلك العصر. ولما سمع الأمير الاندلسي عبد الرحمن غناء زرياب أُعجب بمواهبه، وقدّمه على جميع المغنّين. وأخذ عنه أهل الأندلس طرقه لكثيرة في تصفيف الشعر للرجال والنساء. وكان قد أنه دخل الأندلس وجميع من فيها من رجل وامرأة يُرسل جُمّته [شعر مقدّم الرأس] مفروقاً وسط الجبين،، فلما رؤوا تسريحته هو وولده ونسائه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها إلى آذانهم، وإسدالها إلى أصداغهم، هوت إليه أفئدتهم، واستحسنوه. ومما تعلّمه الناس بالأندلس من زرياب تفضيله آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وإيثاره فرش جلود الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان، واختياره سُفر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية، إذ يزول الدهن وغيره عن الأديم بأقل مسحة. وأخذ عنه أهل الأندلس أيضاً لبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به ومعرفته بتحضير أنواع زكية من العطور.. وهكذا سرعان ما فرض زرياب نفسه على المجتمع القرطبي، وحقّق ذلك بفضل فنه وثرائه الذي أثار دوياً في العالم الإسلامي الشرقي، حتى إن أحد المغنّين في بغداد أعرب عن خيبة أمله قائلاً: "إنه بينما يسير زرياب في قرطبة في كوكبة من الفرسان، ويملك ثلاثين ألف دينار من الذهب، أكاد أنا أموت من الجوع ". كانت أم نانسي قد اندمجت وتفاعلت مع قصة زرياب، فأنشرحت، وهي تستذكر أميرا عربيا موسيقيا كانت قد عرفته في أمريكا اسمه الشريف حيدر. عام 1924، وهناك أقام على شرفه استاذ البيانو (غودوسكي) مأدبة حضرها فنانون كبار مثل "كريسلر" و"هايفتز " والبروفسور " أوير" وغيرهم، وفي تلك الأمسية عزف الشريف محيي الدين حيدر على آلة العود بعض مؤلفاته الموسيقية التي نالت إعجاب ودهشة الحاضرين مما جعل صحيفة " نيويورك هيرالد تربيون " تنشر مقالاً مطولاً عن براعة حيدر الموسيقية. وهناك، في نيويورك استطاع محيي الدين حيدر أن يدرس آلة الفيولونسيل التي كان قد تعلم العزف عليها وهو في سن مبكرة، حيث استطاع يستثمر معرفته بالأستاذ " ب. فاشكا " في تعلم أسرار تلك الآلة وأصولها. كان يدرس الآلة نفسها التي تخصصت في العزف عليها في شبابي. وأقام أول حفل خاص به في 13 كانون الأول 1928م على قاعة (تاون هول) حضر الحفل جمهور من النخبة الفنية والنقاد، بدأ الحفل بالعزف على آلة الفيولونسيل فقدم مقطوعات لـ " لوكاتيلي " و" سينت سايني " و" باخ " و" رافل " و"بوبر"، ثم تناول عوده بعد ذلك وأخذ يعزف مقطوعاته الموسيقية التي سحرت الحاضرين. وفي اليوم التالي خرجت الصحف الأمريكية ومنها جريدة الصانداي تلغراف، التي أشادت بالقدرة الإبداعية لهذا الموسيقي الذي سحر الحاضرين بمقدرته الموسيقية في عزف المقطوعات الغربية والشرقية. وسمعت في حينها أنه عاد إلى إسطنبول عام 1932 بعد أن ألمت به وعكة صحية وبعد أن قدم العديد من الأمسيات الموسيقية في العديد من الأماكن المهمة في الولايات المتحدة، وبعد أن حظي بشهرة فنية واسعة هناك. ووحضرت حفلته الرائعة في إسطنبول حيث قدم أولى حفلاته هناك بتاريخ 4 كانون الأول سنة 1934 حظيت تلك الحفلة بنجاح كبير وبالعديد من المقالات الصحفية النقدية التي أشادت بقدر هذا الفنان الموسيقي المبدع... كانت والدة نانسي قد توقفت عن مواصلة حديثها الذي وجدته ممتعا عن الموسيقار الامير الشريف حيدر، ووجهت سؤالها مباشرة إلى ابنتها نانسي متساءلة عما إذا كنت أعرف سيرته الذاتية لاحقا، فابتسمت، وأنا أشير إلى عمق معرفتها الشخصية به لدرجة أسعدتني المعلومات الفنية التي تحدثت عنها. قالت نانسي (وانا كذلك. لم تحدثي إطلاقا عن هذا الموسيقار.) فقاطعتها قائلا: كان الموسيقار الشريف محي الدين حيدر قد ولد في استانبول سنة 1892م ونشأ فيها، وهو الابن الثاني لأمير مكة في السعودية، الشريف علي حيدر باشا الذي عينه العثمانيون أثناء الحرب العالمية الأولى أميراً لمكة المكرمة. وبدأ يميل إلى الرسم والموسيقى وهو في سن الرابعة من عمره فبدأ يحاول عزف مايسمعه من الأغاني على آلة البيانو، ومن ثم آلة الفيولونسيل، وفي السابعة من عمره بدأ يتعلم العزف على آلة العود بنفسه وحين بلغ الثالثة عشرة تمكن من العزف على آلة العود بصورة ملفتة للنظر حتى تمكن من تلحين (سماعي هزام).عند نضوجه الفكري والفني. دخل كلية الحقوق، وفي السنة الثانية منها إنتسب إلى دار الفنون (قسم الآدب) وأخذ يدرس كلا الإختصاصين في وقت واحد، فحصل على الشهادتين العاليتين فيهما. ثم سافر إلى أمريكا. وارتبطت به قصة تأسيس معهد الموسيقى وبمسيرة التربية الفنية:إذ اعتمدت وزارة المعارف في المملكة العراقية عندما قررت إنشاء (معهد الموسيقا) بداية عام 1936، على الموسيقار العراقي حنا بطرس قدم جهودا متواصلة في تهيئة مكان ومستلزمات إنشاء المعهد. إلا أن الاعتماد على فنان موسيقي واحد في إنشاء معهد موسيقي كانت مهمة صعبة وكبيرة جداً في حينها. فسارعت الوزارة إلى تقديم طلبها للحكومة العراقية بالموافقة على دعوة الموسيقار الشريف محي الدين حيدر الذي كان يقيم في تركيا، وبالفعل حضر إلى بغداد منتصف العام 1936م. حينها تكاثفت جهود الموسيقار بطرس مع الموسيقار حيدر وتم إنجاز وفتح أول معهد رسمي عراقي يختص بالموسيقا. وكان الشرف حيدر قد عين مديراً له، فوضع الخطوط الرئيسة لمنهاج المعهد التعليمي، وعمل عل جعل آلة العود آلة موسيقية تعبيرية شأنها شان الكمان والجلو والآلات الغربية الأخرى المعروفة بتعبيريتها في الموسيقيى الغربية، وبذلك فقد عمد على الإبتعاد عن اعتبار العود آلة تطريبية مصاحبة للغناء. كما أنه اعتمد مؤلفاته الموسيقية منهاجاً تعليمياً لطلبته، ولا زال أسلوب الشريف حيدر يدرس في المعاهد والجامعات الموسيقية العراقية.). و(غادر الشريف محيي الدين حيدر بغداد في عام 1948 إلى أنقرة أثر وعكة صحية ألمت به ثم عاد إليها بعد أن تزوج عام 1950 من الفنانة التركية صفية آيلا وسكن في منطقة " راغبة خاتون "، وبعد عدة سنوات غادر محيي دين حيدر وزوجته إلى أنقرة أثر وعكة صحية أخرى نصحه الأطباء على أثرها في البقاء بأنقرة، ومن هناك أرسل استقالته إلى وزارة المعارف العراقية. توفي الفنان الشريف محي الدين حيدر في استانبول في الثالث عشر من شهر أيلول/سبتمبر 1967م، ولم يرزق بأطفال من زواجه بالفنانة صفية آيلا التي عاشت بعده طويلاً حتى وفاتها كانت أم نانسي تسألني عن موسيقيين آخرين قد أعرف شيئا عن تجاربهم في الموسيقا فواصلت الحديث عن فنان معلم آخر أيضا هو (ملا عثمان الموصلي) وتلامذته وعشاق فنه.فبدات بتعريف المدينة التي ولد فيها) وموقعها من خارطة العراق، وبتحديد العام (1854) م من منتصف القرن التاسع عشر تاريخا لميلاد ولد رابع للسقا عبد الله اسماه عثمان الموصلي. وفي السابعة من عمره توفي والده.وكان مرض الجدري قد اجتاح مدينة الموصل، فتعرص الصبي الصغير إلى إصابته بالمرض، وتسببه له بالعمى. وكان الفتى الضرير قد سعى للعلم والمعرفة، مغادرا الموصل جنوبا صوب بغداد، ليتعلم قراءة المقام، وينتقل بعدها إلى دراسة الايقاعات والاوزان والعزف على آلة العود، ويعود ملا عثمان إلى الموصل، ليستمر في نشاطه الدؤوب في تلقي العلوم والاداب. وكانت شهرة الموصلي قد اتسعت في ذلك الوقت، لذلك أرسله والي المدينة موفدا منه إلى (السلطان العثماني عبد الحميد) الذي استقبله بحفاوة بالغة، وجعله من خواصه، ثم بعثه سفيرا يدعو لاستمرار حكمه في بلاد العرب.. كانت سمعة ومكانة الملا عثمان قد سبقت وصوله إلى القاهرة، مما جعل الموسيقيين المصريين آنذاك، ومنهم (عبده الحامولي وسيد درويش.) يسعيان للتتلمذ على يديه.. كان عثمان الموصلي، هو الذي لحن أغنية «زوروني كل سنة مرة» التي نسبت خطأ منذ وقت طويل لسيد درويش، وكانت تغنى للرسول الكريم بعبارة «زوروا قبر الحبيب مرة» والحان شهيرة أخرى مثل: «طلعت يا محلى نورها» و«آه يا حلو يا مسليني» بالإضافة إلى موشحات رددها مؤدون آخرون خلال العقود الأخيرة مثل موشح «هب الصب» و«الغصن الريان» و«الليالي عطرت احلامنا». أما الحان الملا عثمان الموصلي التي أداها العراقيون بلهجتهم والتي نسبت إلى الفولكلور الشعبي فهي كثيرة أيضا، ومن اشهرها تلك التي أداها ناظم الغزالى «يم العيون السود». كما اصدر الموصلي خلال اقامته في القاهرة مجلة باسم «المعارف» وعندما حل في الشام لقب بالشيخ الجليل عثمان، وكان مثار اعجاب الصفوة من الادباء والفقهاء والفنانين. اتقن الفارسية والتركية إلى جانب العربية، وكتب الشعر وكان اديبا مفوها إلى جانب مهاراته في الموسيقى والتلحين. وكان العديد النوعي المتميز من مؤلفي الموسيقا وملحني الأغاني من العراقيين، قد تأثروا بما أبدعه زرياب وعثمان الموصلي وعمالقة فن الموسيقا الآخرين في العراق. ساد الصمت للحظات كانت نانسي وامها خلالها ما زالتا منشرحتين تتطلعان على حديث آخر. ولكن الم بادرتنا بسؤال قائلة (لو كان معنا عدد من العراقيين والعرب والمسلمين في هذه الجلسة، فهل سيتذكرون ألحات الأغاني التي ذكرتها من تاليف زرياب والموصلي؟ فاجبتها من فوري اجل بل وسيتذكرون كلماتها مع اللحن وسينشدونها وستطربون لها حتى ولو لم تفهموا اللغة العربية أو التركية أو لغات شعوب العالم الإسلامي المختلفة. إنهم يتحدثون بلغة الفن السامي المبدع. وتلك هي جمالية الفنون الإنسانية وقيمتها الحضارية. كان الموسيقار الملا عثمان الموصلي قد تنقل سائحاً وباحثاً ومعلماً ومستشاراً، ثم سفيراً لخليفة الدولة العثمانية السلطان عبد الحميد آنذاك، وقد قادته بصيرته وطموحه وتوازنه النفسي لاصدار مجلة (المعارف) في مصر خلال الفترة من 1895 إلى 1900 و(في مصر خلال اقامته) اصدر كتاب سعادة الدارين، ثم اصدر كتاب المراثي الموصلية، ومن ثم كتابه الثالث (الاجوبة العراقية على الاسئلة الإيرانية) وله في الشعر تخميساً لقصائد ابن النحوي وابن دريد وابن الخياط الدمشقي وعبدالباقي العمري. وقد انضوى بعد اكتمال نضجه المعرفي في مجال الموسيقي والالحان تحت عباءة (المولوية) التي اجاد فيها، وقد اباحت له هذه المدرسة (المولوية) حرية الحركة في التنغيم والتلحين لقدرتها على الجمع بين التصوف والموسيقى، فأصبح من اقطابها، وانشأ لها تكية خاصة في الموصل، بعد عودته من مصر والشام، عرفت بتكية مسجد شمس الدين في محلة باب الجديد.) وقد نشأ الفتى الموهوب الملا عثمان متميزا بابداعه المتشعب في مضارب العلوم والادب والفنون، فهو القارئ المجد للقرآن الكريم، وهو الشاعر المتصوف وهو الموسيقي المنشد صاحب الصوت العذب، وقد استطاع في مرحلة مبكرة من شبابه ان يؤسس المدرسة المقامية المولوية المتخصصة بالانشاد الديني بعد أن هضم ارثاً ضخماً امتد عمقه إلى الدولة العباسية، مستشرفا ما افرزته محلية مدينة الموصل التي اجادت مدرسة مقامها اجادة بلغة بما انتجه ملحنوها وقراؤها، والتي احدثت بنكهتها الخاصة النابعة بالأساس من البيئة المنفتحة والعقلية القادرة المتمكنة على التلقي، الكثير من الاضافات والتنويعات على المدارس الأخرى، إذ ان ما يميز مدرسة الموصل المقامية هي حرية التصرف الحر بالغناء حيث يتنقل القارئ أو المنشد بين النغمات كما يشاء مرتجلاً الالحان حسب براعته واجادته لها وتمكنه من ادائها، ليرجع إلى البداية لاختتام المقام، على عكس المدرسة البغدادية التي قيدت حدود القراءة والانشاد بمقام واحد منذ البداية وحتى الختام. من هنا كان التنوع والاجادة والابداع الذي صاحب الموسيقار الشاب الملا عثمان في مسيرته اللحنية أو الشعرية، والتي لم يبرز فيها خلال مرحلته سواه. أما كونه بصيراً، فليس صعباً على المتقصي ان يتلمس كون العثرات التي لاقاها هذا المبدع الكبير في طرق تنقلاته اليومية كانت أكبر بكثير مما لاقاه وهو حامل لعاهة العتمة والظلام. فلم يركن إلى داره، ولم ينزو أو يقفل باب العلم، بل اقتحم العالم المضئ من اوسع أبوابه في ميادين العلم والادب والسياسة كذلك، متدافعاً بلطف الفنان الحساس المرهف مع المبرزين ممن زاحموا عصره على مانال من مكانة مرموقة شعبياً ورسمياً، حتى صار مطلب كل والٍ أو امير أو حاكم، وقد امتاز برحابة الصدر ورهافة الحس وحسن التصرف، وحبه لوطنه وارضه وشعبه إلى جانب امتيازه في التفوق والابداع، حيث نهل على يديه الكثير من اعلام القرن التاسع عشر وكذلك المحدثين من عمالقة القرن العشرين من امثال سيد درويش وأحمد أبو الخليل القباني وشيخ قراء مصر محمد رفعت وفي العراق، المطرب الكبير محمد القبانجي، ومثله في استانبول كاظم اوز.. وظل يسعى وراء العلم والبحث والاجتهاد حتى تصدر المجالس شيئا فشيئا، ملحنا مجيدا مبدعا. ومؤسسا لمدرسة الإنشاد الديني التي استطاع أن يرسم معالمها. بعد أن هضم إرثا ضخما امتد عمقه إلى الدولة العباسية مستشرفا ما أفرزته مدينة الموصل التي أجادت مدرسة مقامها إجادة بالغة بما أنتجه ملحنوها وقارؤوها، بعد الذي أحدثته تلك النكهة الخاصة والنابعة بالأساس من البيئة المنفتحة والعقلية القادرة على التلقي والإضافة والتنويع. فكان هذا ما يميز مدرسة الموصل المقامية إذ أن المؤدي يبدا الابتداء نفسه كما في المدرسة البغدادية إلا انه يأخذ بالتصرف الحر في الغناء وينتقل بين النغمات كما يشاء مرتجلا الألحان حسب براعته وتمكنه من الأداء ثم يرجع إلى النهاية التي يختتم بها المقام. من هنا كان التنوع والإجادة والإبداع الذي لا يقدر عليه إلا كبار المغنين. أما كونه بصيرا فليس صعبا على المتقصي أن يتلمس كون العثرات التي لاقاها الملاعثمان في طريق تنقله اليومية كانت أكبر كثيرا مما لاقاه وهو حاملا لعاهة العتمة. فلم يركن إلى داره، ولم ينزو. ولم يقفل باب العلم أمام وجهه المشوه ببثور الجدري الكريه. بل اقتحم عالم السياسة والعلم والأدب والموسيقى. متدافعا بلطافة الفنان مع المبرزين ممن يزاحمون عصره على ما نال من مكانة مرموقة شعبيا ورسميا فكان مطلب كل وال وأمير وحاكم. وامتاز بمواقف وطنية اتسمت بأعمال ناهضت الاستعمار البريطاني وكان صاحب فضل.نهل على يديه كثير من أعلام القرن التاسع عشر والقرن العشرين. أمثال سيد درويش، والكبانجي. وفنانين ومؤدين أتراك. كما أنه انضوى تحت عباءة المولوية التي أجاد فيها لما أباحته له هذه الطريقة الصوفية من حرية الحركة في التنغيم والتلحين لقدرتها على الجمع بين التصوف والموسيقى فأصبح من دعاتها وأقطابها وأنشاء لها تكية في الموصل عرفت بتكية مسجد شمس الدين.) قالت نانسي بأنني حدثتها عن مؤسسي الفنون المسرحية والتشكيلية أيضا وعن رواد تلك المسيرة التاسيسية في تاريخ الفن العراقي المعاصر. كان الفنان الكبير حقي الشبلي من أبرز رواد المسرح العراقي ومؤسسيه، مع رفاقه وتلامذته الذين كان لهم دورهم التأسيسي لاحقا.إذ كانت الخطوة الأولى معهم في أعمال التمثيل)، رصينة، أشارت إلى بداية نشاط المسرح في العراق منذ أواخر القرن التاسع عشر في لواء الموصل مع ظهور نصوص مسرحية (حناحيش) المؤرخة عام 1880. والمتأثرة بالتوجه الكنسي الأوروبي في المسرح. ومع نشر مسرحية (لطيف وخوشايا) الإجتماعية الأخلاقية، لكاتبها (نعوم فتح الله السحار) والمطبوعة عام 1893م في لواء (الموصل)، والمتاثرة بالمسرح الفرنسي، كان قد عثر على أول مسرحية مطبوعة (الطبعة الثانية) بعنوان «لهجة الابطال» للدكتور سليمان غزالة عام 1911 صادرت في مدينة القسطنطينية، وهي مسرحية شعرية سبقت ظهور محاولة الشاعر المصري أحمد شوقي في المسرح الشعري الغنائي. وبعد الحرب العالمية الأولى أسس «محمد خالص الملا حمادي»(جمعية التمثيل العربي) وقدم مسرحية (فتح عمورية) لعبد المجيد شوقي، ذات البعد التاريخي. وظهر من كتاب تلك الفترة، (حنا رسام، ويحيى العبد الواحد، وسليمان الصائغ). ومع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 شهدت حركة المسرح الشابة، مرحلة جديدة.. وشهدت البصرة عروضاً مسرحية تؤكدها بعض الصور التوثيقية لمسرحيات مؤرخة في عام 1921. ومن المعروف أن رواد الحركة الثقافية عامة، والفنية بشكل خاص، قد نشؤوا زمن مقاومة الاحتلال الإنكليزي للعراق بعد عام 1914 وكانت الحركة الوطنية في أوج تصاعدها، فنشأ المسرح في احضان السياسة وانعكس تمسك المثقفين بالوطن والأمة والإنسان على المسرح العراقي. وقد افرزت تلك المرحلة، خيرة كتاب المسرح، من الجيل الأول منهم، الشاعر الكبير جميل صدقي الزهاوي، وموسى الشابندر، وسليم بطي، ونديم الاطرقجي، وصفاء مصطفى، وجميل قبطان ومحمد رضا شرف الدين، وعبد الحميد الراضي، وخضر الطائي، ومحمد الهاشمي، وخالد الشواف. وفي فترة لاحقة تميزت فيها كتابات يوسف العاني، ومحي الدين زنكنه، وعادل كاظم، وقاسم محمد، وبدري حسون فريد، وطه سالم وعلى مزاحم عياش وعيسى عبد الكريم رئيس جمعية الطليعة التي تاسست في العمارة عام 1955 استمرارا لتشكيل أول جمعية فنية فيها عام 1942. لقد أسس حقي الشبلي عام 1927 (الفرقة التمثيلية الوطنية) وتعاون معه هواة المسرح آنذاك ومنهم: (فاضل عياش بهرام، فوزي محسن الأمين، محي الدين محمد، وعبدالله العزاوي وسليم بطي، ونديم الاطرفجي، ومنعم الدوربي، وعتايه الله الخيالي) ومع أولئك الرواد المؤسسين، بدأت مسيرة المسرح وتحولاتها وتطورها وحداثتها.. إذ تأسست عدة فرق مسرحية أمثال: (الفرقة التمثيلية العربية، فرقة بابل للتمثيل، جمعية انصار التمثيل) وقد تفاعلوا مع زيارة فرقة جورج أبيض العراق عام 1926 وفرقة يوسف وهبي وفرقة فاطمة رشدي وعزيز عيد عام 1929 عرضوا عدا بغداد في ألوية الجنوب على مسرح ملهى الحمراء في مدينة العمارة وعلى مسرح اعد لهذا الغرض في شارع أبوالأسود الدؤلي. في البصرة. وبعد انتهاء زيارتهم العراق، رافق حقي الشبلي الفنانة فاطمة رشدي وفرقتها إلى القاهرة للإطلاع على التجربة المصرية. كانت الواقعية في الفن والأدب هي الأكثر قبولا وشيوعا بين اتجاهات المسرح أيضا. (لكن هل يستطيع الواقعيون، والواقعية أن يمروا خارج حياة الفن والمجتمع؟) قال مكسيم غوركي: " فننا يجب أن يرتفع فوق الواقع، وان يرفع الإنسان فوق الواقع أيضا، ومن دون أن يجزء الواقع. وحين يقترن الواقع بالخيال ينطلق السؤال التالي: هل هي هذا؟ الجواب: نعم، إذا كان البطل الثوري الاشتراكي طموحا ضد الجمود. هذا الطموح يمنح الحياة ظروفا جديدة في الأشكال، ومن خلال ذلك يمكن أن ننطلق إلى الدعوة للرومانسية "(4) كانت أحداث (قصة حياة بلدة صغيرة) القرية الروائية مقتبسة من تجارب أشخاص واقعيين كانوا قد ولدوا هناك وما زالوا يقطنون فيها. وكانت الحالات الموصوفة بعناية، قريبة من أشياء حدثت فعليا في حياتهم: (كانت نانسي ترسم ملامح الناس وتدون تفاصيل دقيقة من غرائبية حياتهم الخاصة جدا. أما تاريخ البلدة الحقيقية، فينتمي إلى قرية بولام في مقاطعة نورث هامبارلاند في وسط بريطانيا التي قصفها الطيار الألماني(فيلي شولوديكر) في العام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، بقنابل زنتها 500 كلغم، وسقط بعضها على أماكن عبادة ومنازل أخرى، ولا تزال آثار القصف فيها ماثلة للعيان. ولدى وصول الطيار بعد عقدين من الزمن استقبله السكان، واصطحبه المسؤولون هناك في جولة حول أرجاء القرية التي قصفها بالقنابل، حيث شاهد آثار فعلته التي قدم اعتذارًا عنها. وكان شولوديكر الطيار الألماني الشاب في العام 1942 الذي عمره كان آنذاك 22 عاما من ضمن فوج طيران ألماني مقاتل نفذ غارة جوية ضد الأراضي البريطانية انطلاقا من قاعدة على الأراضي الهولندية بطائرات مقاتلة من طراز "دورنير 217 "، ولكنه أخطأ هدفه فقصف قرية بولام بدل الأهداف المحددة إليه في مناطق أخرى، من بعد أن طاردته طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني، حيث ألقى قنابله على تلك القرية للتخلص منها في هروبه من المطاردة وفي حال تمكن المقاتلات البريطانية من إسقاط طائرته. وخلال لقائه مع سكان القرية البريطانية، أعرب الطيار الألماني عن شعوره بالصدمة حيث أعرب أيضا عن ألمه لترويع الآمنين الذين طالتهم القنابل. وظل الطيار الألماني إلى وقت طويل لا يعرف الهدف الذي قصفه خطأ إلا بعد أن اتصل به (بيل نورمان) وهو باحث بريطاني متخصص في تاريخ الحرب العالمية الثانية لإجراء مقابلة معه وابلغه عن الحادث والمكان الذي قصفه. وقد التقى الطيار السابق بالناجين من قنابله، معلنا أمامهم عن سعادته "أن العالم يعيش في سلام الآن". وتساءل الكثير عن جدية وحقيقة أن العالم يعيش الآن بسلام. ولكن عندما غادرت نانسي ذلك العالم وكفت الكتابة عن رائحة المكان، تركت شيئا من كبدها هناك. كان أرق وأحلى ما يثير شغفها هو الحديث عن الحب الكامن في أعماق الناس المستلبين، الجوعى، المحرومين، المعوزين، من العمال والفلاحين والكسبة والذين يعيشون على هامش الحياة. والحديث عن اشواقها وآلامها التي لاتنتهي في الأحلام البديلة لتلك الشريحة العريضة من المجتمع. ولكنها لم تنس أن تتحدث دائما عن طيف استحوذ على فؤادها ذات مرة بعد وفاة أبيها، رأت في منامها كيف سترت بأوراق العنب الصفر عورة عجوز واطفال وصبيات، تبعثرت أشلاؤهم على ممرات حقول شاسعة بلون شفق الغروب. وارتعبت من نداء فارس مقبل على جواد أبيض وبيده سيف يشع لونا فسفوريا أزرق. وكانت تلك الرؤى والاحلام قد انبثقت لاحقا عندما كبرت وأنهت الجامعة ونضجت ونمت معها هوايتها في الرسم والكتابة عن المبدعين: حياتهم وأسلوبهم ومن بينهم هنري مور واساتذة الفن الإنجليزي تيرنر وكونستابل وفنانو عصر النهضة والكلاسيكيون والواقعيون والانطباعيون: (*) مانيه وبودين وبيسارو وسيزان ومونيه ورينوار وديجا وسيسلي وسورا وجوجان وفان كوخ ولوترك والمكعبيون، بيكاسو وبراك وماتيس وكاندنسكي وبول كلي وماكس آرنست وديلوني وفرانسس بيكابيا وهارتونك وفولس ودالي وميرو. (*) كتبت عن هؤلاء كافة، وكان يهمها أن تستعير من أنسجة العوالم المنطوية تحت شبكات طفولتها ومنها الحكايات الخرافية التي قرأتها عن الجنيات المؤذية أو المرعبة أو الباعثة على البهجة. مثل آلهة سيرام،(*) والقبور والعلماء. وكان أول ما قامت نانسي برسمه هو لوحة (إسحق دينيسون) (*)الموسومة وجه أشبه بطائر. فضلا على أفلام كوكتو وكانت متعلقة بقصص أليس. لأنها كانت دائما تنتصر في النهاية. وتمنت أن تنتصر على الأشرار المستبدين. وتمنت أن يكون ذلك حقيقيا للجميع.. وكانت تؤمن بما قلت لها في أول لقاء معها (أن لاتنسى نصيبها من الدنيا).. وهناك ملاحظات جوهرية أخرى عن شخصية نانسي سيكتشفها القاريء.في حركة السرد الدرامي العام.. الشخصيات الرئيسة الأخرى: كانت تشتغل في قصر خطيب نانسي(اللورد وليم) طاهية في الثلاثين من عمرها يصفها الناس دائما بالجميلة وتدعى جوزفين أبوها إنجليزي وأمها فرنسية. وتعيش معها ابنتها الوحيدة، كارين الجموحة التي تتردد بين فترة وأخرى إلى دار خالتها الخياطة (كاثرين) التي تلعب دورا مهما في مجرى الحدث الروائي حتى تقترب في تأثيرها الدرامي إلى موقع الشخصيات الأساسية الأولى)، كانت الشابة كارين في طفولتها تسأل والدتها: " لماذا نحن فقراء؟" وعندما تكبر، بفتنتها الباهرة تستولي على قلوب المراهقين وتترك الرجال الشباب حائرين مترددين خائفين من خوض أية تجربة معها. لأنها ما زالت في الرابعة عشرة من عمرها وستكبر وتغدو ممثلة ومنشدة في كورس المدرسة الثانوية، وستتوالى أحداث قصتها لتغتصب ثم تتزوج وتنجب طفلة وترث عقارات ومزرعة. ثم تقرر مواصلة دراستها في كلية الطب. وتلتقي برسام عراقي يدرس الطب معها. كانت أمها قد فقدت زوجها الأول وهي في ريعان شبابها. وكانت شهية أمها جوزفين للرجال في تعاظم، فتفاقمت عليها ضغوط حاجتها الجسدية اللحوحة، أمام عادات وتقاليد محافظة ومعقدة. والناس هناك يستهجنون ويحتقرون الشاذين في علاقتهم الاجتماعية المريبة. ومع حذرها وكتمانها وعدم الاختلاط بالعوائل المتدينة، فإنها انفضحت في علاقاتها الجنسية وغدت "حديث فتيان المدينة"، وكانت حتى في انتقالها للعمل في (قصر اللورد وليم) خطيب نانسي، لم تتخلص من جموح رغبتها بالرجال ولم تكبح عنفوان تشوقها لهم. فوجدت ضالتها في رب عملها المليونير (اللورد وليم) وباتت ترسم خططها وتلقي شباكها عليه فوجدت لديه استعدادا لإتخاذها محظية خاصة، فأقامت علاقات منتظمة معه في منزله الريفي مرتين في الشهر. بينما كان أيضا يقيم علاقة مع ابنتها كارين في كوخ جميل في مزرعته الممتدة الاطراف. كانت نانسي أحيانا تستخدمه كمحترف للرسم. وعلى الرغم من سمات الدهاء والمكر التي تتصف بها الطاهية جوزفين، فإن عمقها فارغ، وكان تباهيها أمامه في الفراش بانها محط أنظار الغيورات والحاسدات والمنافقات وهميا، أيضا لايشكل خطرا على طبيعة عملها ووجودها في القصر. وهناك ملاحظات جوهرية أخرى عن شخصية كارين.في المعمار الفني الدرامي العام.. من الشخصيات الرئيسة (كارين) في الرابعة عشرة من عمرها، ساحرة الجمال وباهرة الفتنة، كلما تبصر شيئا تراه شكلا غريبا فتبدو مندهشة، وساذجة ولكنها دقيقة الملاحظة، ولم تنس أبدا شيئا شاهدته لمرة واحدة. كانت تحب أن تكتب ملاحظاتها ومفردات الحياة اليومية في مدينتها الصغيرة بعين من يخرج مسرحية أو فلما سينمائيا تتحرك الاشياء وتتبدل الأحداث والشخوص كما يشاء المخرج وهو ينفذ ما اقتنع به من نص المؤلف. لهذا كانت تتمنى العمل في السينما، كانت تظن بأنها ستكون بارعة في كتابة النصوص المسرحية وإن مخرجي السيما والمسرح والاذاعة والتلفزيون إلى جوار رؤساء تحرير الصحف الذين سيقفون طابورا على بابها بانتظار انجاز مقالاتها اليومية التي لم تكتبها بعد، عن مسرح المدينة والمؤدين فيه، لنشرها على الصفحة الأولى من خيالها. كانت تمتزج في خارطة مخها الحقائق والبدائل المشتهاة في تصرفها وسلوكها. وكانت قد عشقت هي وأمها خطيب نانسي. وبعد انكشاف سرها هربت مع أمها إلى بيت جدها في باريس ن لتعود بعد فترة إلى لندن بصحبة أمها وخالتها التي تحدثها عن طموحها المهني في أن تكون طبيبة ناجحة. وقد تم لها ذلك بعد وفاة زوجها بلير وابنه طوني ووالدتها جوزفين، تترك ابنتها اليزابث في دار رعاية الأطفال. وتسافر لاتمام دراستها. وتلتقي بالفرزدق وهو شاب عراقي زميل لها في كلية الطب، وزميل لي في مسكني والعمل معا وتعرفت بها عن طريقه. وان تكثر من سفرها إلى أمريكا.. ولها حضور قوي وفاعل ومؤثر في سياق السرد الروائي وحركة معماره وشكله الفني. من الشخصيات الرئيسة (كاثرين) شقيقة جوزفين ولعبت دورا رئيسا في الحدث الروائي الذي خططت له نانسي، وتعتبر من بين أهم ركائز الرواية موضوعا وشكلا.. وهناك ملاحظات جوهرية أخرى عن شخصيتها في سياق السرد الدرامي الداخلي. وفي ركائز المعمار الفني وحركة شكله العام. وكانت تحاول أن تتلبس شخصية الليدي تشاترلي تارة وتؤدي ما عجزت عنه مدام بوفاري في علاقاتها الشغوفة بالرجال تارة أخرى. دون أن تعرف شيئا عن ذلك.. من الشخصيات الرئيسة (ادوارد جيمس) الشاعر الكاتب المسرحي والمؤدي الذي تزوج (كاثرين) وعمل مؤديا لأدوار ثانوية مهمة على مسرح المدينة المتجول)..ولعب دورا مميزا في ثقافة المسرح الجديد مع قرينه الذي لم يلتقيه ستانسلافسكي. ونشر عدة مسرحيات ودراسات في المسرح الإنجليزي. وكان يميل إلى تجارب تشبه ما طرحه لاحقا ستانسلافسكي في أن المعرفة الإبداعية هي وحدها أساس نظامه وهي وحدها التي تقود إلى الصدق، وان المعرفة الحقيقية لها هي التي تخلق الربط بين الدرس (المسرحية) والممارسة (التجسيد) في رصانة عمل الممثل، وبالتالي التزام القيم العليا في العرض المسرحي. لقد نجح في تشكيل جوهر التقاليد التقدمية لفن المسرح الواقعي. كما نجح في ترصين روح التجريب الخاص بفن الممثل والتكنيك الخاص بعمله على الدور ومع نفسه. تمكن من توضيح طرق التحولات التي توصل الممثل إلى الأساليب التي تساعده في التجسيد والمعايشة على خشبة المسرح. هذا الامتزاج للنظرية (ألنظام) وتطبيقها هما اللذان شكلا البناء العظيم الذي أسس له ستانسلافسكي وطوره من خلال عمله الطويل، مربيا، ومخرجا في الحياة، والمسرح. وقد نشر عن: (1) - (قسطنطين سرجيفتش ستانسلافسكي Constantine Sergievitch Stanislavski) – (17/1/1863 – 7/ 8/ 1938 |
|||||
|
|
|||||
| back to Home Page | العودة للصفحة الرئيسية للموقع | ||||
| back to Arts main page | العودة للصفحة الرئيسية لهذا الموضوع | ||||
| top>> | بداءة الصفحة | ||||